السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

بركات الطريقة القندرجية

الطريقة القندرجية مازالت صالحة للاستعمال في عوالم أخرى غير الموسيقى، لأن مؤسسها لم يبتدعها عبثا، بل كان يتحدى بها الجُهّال وضيّقي الأفق.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(24)]

يقول المثل الدرزي العتيق في جبل العرب “قُوْم بَلَا جُهَّالْ، ضاعَت حْقوقْهُم. وْقُوْم بَلا عُقَّال، راحوا قَطايِعْ”. في إشارة عميقة إلى طبائع الخلق بين الجهالة والحكمة.

ولكن البعض يحب التميّز بالجهالة، باختراع الرأي السلبي المغاير. حتى لو كان الرأي الأول صائبا. لا مشكلة. فالمهم أن يتمكن من طرح رأي مخالف. فإن قلت إن الشمس مشرقة هذا اليوم قال لك: ولكن، ربما تأتي غيوم تغطي السماء بعد قليل.

وإذا قلت إن سكارليت جوهانسون ممثلة رائعة تستعد اليوم لأداء دور هيلاري كلينتون، قال: نعم، لولا أن أنفها كان أعوج سابقا. وإن قلت إن لوكوربوزييه معماري فذ، قال: ولكنه صمّم كنيسة “نوتردام دي أو” على شكل قبعة راهبة. ليمعن في فن الإزعاج باستعمال حرية التعبير، والتنكيد عبر الديمقراطية والرأي الآخر جهلا ونفاقا. ويتنوّع هؤلاء بين دواعش متعددي الطوائف ومستشيخين ومتعلمنين يساريين متثاقفين.

لكننا اكتشفنا طريقة معرفية للتخلص من فلاسفة من هذا الطراز، تتلخّص بتعقيد التضاريس، وتصعيب المسائل. حتى إذا ما أراد واحدهم ملاحقة موضوع ما، أنهكه الاتباع وضلّلته الخرائط.

تسمّى تلك الطريقة بالطريقة القندرجية. واسمها مشتق من طريقة طربية عريقة، مؤسسها هو رشيد القندرجي أحد أبرز شيوخ الطرب المقامي العراقي، الذي عرف بدايات القرن العشرين.

القندرجي كان قد تمرّس في التعامل مع “القنادر” كما تسمى في المشرق. فمهنته صانع ومصلّح أحذية في معامل بغداد. لكنه كان معلّما عظيما من معلمي المقام، أمّيا لا يقرأ ولا يكتب، وفيا وحساسا، حتى أنه لم يتحمّل صدمة وفاة والدته، فمات حزنا بعدها بأسبوع واحد. وهو أشهر من قرأ بستة “ربّيتك ازغيرون حسن، ليش انكرتني؟”.

تمثل الطريقة القندرجية قمة الالتزام بالشكل والتفاصيل والسبك الرصين. حتى أن العلماء اعتبروا أن شكل هذه الطريقة أهم من مضمونها التعبيري. فمن سماتها الغموض الشديد، سيما في اللفظ ومخارج الحروف، لدرجة أن المستمع لا يعرف ماذا يقول المغني. حتى أن المطربين لم يكونوا يهتمون لعدد ومعاني الأبيات التي يقرؤونها. فتجد شعرا من هذا النوع يصدح به اللحن المقامي “فمياهي هي انسكاب دموعي/ وخريري هو البكا والنواحُ/ أوَما تبصرُ اضطرابي إذا ما/ خَفَقَتْ في جوانبي الأرواحُ/ فإليهمْ ومنهمُ اليومَ أشكو/ بلّغيهمْ شِكايتي يا رياحُ”.

لم يكن شيخ الطريقة القندرجية تكنولوجيا، مثل غيره. فما أن بدأت الناس تعرفه، حتى اكتسحت الأسواق أسطوانات الطريقة القبانجية، مزيحة الطريقة القندرجية من عالم الموسيقى إلى الأبد.

ولكن الطريقة القندرجية مازالت صالحة للاستعمال في عوالم أخرى غير الموسيقى، لأن مؤسسها لم يبتدعها عبثا، بل كان يتحدى بها الجُهّال وضيّقي الأفق. ويخيّل إلينا أنها تحولت مع الوقت إلى طريقة مثل بقية الطرق الصوفية. ولم تعد تقتصر على الموسيقى والمقام. بل جاوزته إلى السياسة والثقافة والأدب. لذا نقترح على العرب استعمالها في المحافل الدولية التي تزخر بمن رؤوسهم مقلوبة دوما على وجهها الآخر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر