الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

معركة تحرير أم تدمير الموصل

هل سنشهد تحرير أم تدمير الموصل؟ وليس من المستبعد أن يعود الحديث أيضا عن مخاطر انهيار سد الموصل، لم لا وحظيرة الأحزاب الحاكمة تتوسع كل يوم لاستيعاب يأسنا والمزيد من العجول المتناطحة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/04/30، العدد: 10261، ص(9)]

هل بدأت معركة تحرير الموصل، كما أعلنها الجيش العراقي واستبقها بعناوين للعمليات، الفتح الأولى، والفتح الثانية، وحتما ستعقبها أرقام تصاعدية أخرى؟

ما تحقق يقترب من الإخفاق، فالمعارك المعلنة دارت على بعد 55 كلم من الموصل، مركز محافظة نينوى، ولم تختلف عن بديهيات المواجهات التقليدية بين الجيوش على الجبهات المتقابلة، رغم أنها مجموعة قرى متفرقة تقطنها عوائل وقعت في قبضة الإرهاب لتنظيم الدولة الإسلامية المعروفة اختصارا بداعش.

الحصيلة، السيطرة على 4 قرى، وملابسات مع أهل القرى وإهانات لحقت بهم جرّاء الشك في بعض الرجال من أهلها كدواعش أو لتعاونهم معه، هذه البداية التي لا يمكن أبدا أن تكون إيجابية مع اتساع الهجوم وزيادة القوات المشاركة وصنوفها. ما شاهدناه، نساء وأطفال وشيوخ وحتى رجال وفتية يحاولون الفرار والالتحاق بالقطعات العسكرية لحمايتهم والخلاص من القصف ومن رعب الدواعش.

التحقيق والشك وصولا إلى الإهانات لن توفر دعما نفسيا للثقة بمصير الوقائع القادمة واحتمال تكرار تجارب قريبة إلى الأذهان، بعضها ما زال ممارسة يومية في المدن المحررة من قبضة الإرهاب.

الموصل يقطنها الآن أكثر من مليون نسمة، وفي ظروف الحروب بين الدول لهم حقوق تضمنها لهم المواثيق الدولية لتقليل الخسائر بين المدنيين وتجنبهم الويلات وتمكنهم من الخروج والنجاة إلى أماكن آمنة، لتتولاهم المنظمات الإنسانية والإغاثية برعايتها، فماذا سيكون الحال والموصل مدينة عراقية يحاول جيش بلادها، كما يفترض، انتزاعها وإعادتها إلى وطنها سالمة بعد اختطافها المباغت في يونيو 2014.

4 قرى، اثنتان منها تمت استعادتها بهجوم مضاد من تنظيم الدولة، في الجانب السوقي العسكري لا يبدو ذلك مفاجئا، لكنه محبط للمعنويات، والتأخير والفجوات الزمنية بين معركة صغيرة وأخرى بما يرافقها من إخفاقات في التعامل مع المواقع بعد السيطرة عليها، يؤكد عدم جهوزية القطعات لخوض معركة حاسمة تتطلب الإعداد والمستلزمات والتخطيط غير التقليدي، لأن القوى المحتلة للموصل تعتمد استراتيجيات قتالية مختلفة، تتمثل بالصدمة والترويع ومعظمها عمليات انتحارية، تضاف إليها غنائم أسلحة الجيش وهي معدات ثقيلة من مدفعية وآليات وذخائر وأسلحة ستجعل من المعركة، ليس كما يعتقد بعضهم أنها بين جيش نظامي ومجموعة مسلحين غير نظامية.

ستكون لهم تشكيلات منظمة بحكم صنوف الأسلحة ولا نخوض في مستوى العلوم العسكرية التي يتقنونها وفنون الحرب بشكل عام، لكنهم ونتيجة لمرور سنتين دون مواجهات برية بينهم وبين القوات العسكرية تمكّنوا من الموصل وتمترسوا ونفذوا ودعّموا مواقعهم الدفاعية واستحضروا مواقع بديلة للاختباء من الغارات الجوية شبه المستمرة من قوات التحالف الدولي.

الخنادق والأنفاق التي عثر عليها الجيش في قرى أطراف الموصل توجز حجم الاستعدادات في مركزها.

تنظيم الدولة احتل الموصل مع وجود القوة العسكرية الهائلة قياسا لإمكانيات المهاجمين وأعدادهم المحدودة، ويجب أن يكون ذلك درسا للقطعات العسكرية في سعيها لتحرير المدينة، خوض المعركة بالتقسيط المريح لن يؤدّي الغرض ويعطي انطباعات لخلفيات التجهيز للمعركة.

الخلفيات؛ أولها انهيار الدولة اقتصاديا بعد انخفاض أسعار النفط، حيث طفت على السطح عيوب العملية السياسية والصراع على السلطة وتدنّي الوعي عند الأحزاب والشخصيات المتنفذة، فهي طيلة سنوات ما بعد الاحتلال لم تقدم حلولا للنهوض بالمشاريع الصناعية أو الزراعية أو التعليم والصحة والخدمات، ولعدم وجود قاعدة علمية رصينة، ورغم حجم الإنفاق على الجانب الأمني والعسكري، لكنها فشلت في حماية الحدود وأمن المواطن وفرطت في ثلث أرض العراق في ظروف تتقاذفها المشاريع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تنفيذ الطموحات الإيرانية المعلنة والصريحة.

الواقع السياسي وصراع مافيات الفساد والانفصام النفسي في تأجيج الصراع المذهبي، كان المدخل لتسليم الموصل إلى الإرهاب ومن بعدها مدن أخرى، شهدت نزوحا لأكثر من 3 ملايين مواطن، تخلت فيها الدولة عن أبسط واجباتها تجاههم، ومنحت الغطاء لتأسيس جيش رديف يساهم في تكملة المشهد العراقي بعد دمج ميليشيات موالية لإيران في الجيش النظامي.

الواقع المهلهل لن يساهم في ترسيخ قوة قتالية نموذجية لتحرير الموصل، في ظل مخاوف من استخدام داعش نوعيات من الأسلحة الكيميائية ضد القطعات المهاجمة بعد أن استخدمتها قبل فترات قصيرة، وعدم تجهيز المقاتلين بالأقنعة الواقية، إن كانوا من الجيش أو البيشمركة الكردية أو قوات العشائر من أبناء الموصل.

رئيس الوزراء العراقي في تصريح له تحدث عن مدة شهرين، وقد انقضت، أو أربعة أشهر أو فترة أطول، إذن هو يتحدث عن مدة مفتوحة، والتصريحات الأميركية ليست على ثقة بالقدرات القتالية والتجهيز للقوات العراقية، وتخشى من كون الجيش ذاته عندما كان بأفضل تدريباته وأسلحته فرط في الموصل خلال ساعات، فكيف بجيش أقل تدريبا وإعدادا، حتى لو تم تحرير الموصل، سيصمد للدفاع عنها من هجمات مضادة؟

ما حدث في مدينة طوز خورماتو من اشتباكات مسلحة يؤثر سلبا وبدرجة كبيرة على استعدادات تحرير المدينة، ويؤكد ضلوع الأذرع الإيرانية في العراق لإيجاد موطئ قدم لها في معركة الموصل رغم التأكيدات المستمرة لعدم السماح لها بالمشاركة، لعدم إعادة سيناريو الخروقات والارتكابات في مدن ديالى أو مدن صلاح الدين وغيرها.

لا يمكن لأي قائد عسكري محترف أن يفكر في حصار الموصل، كما هي مأساة الفلوجة، ثم يستخدم المدفعية وكل الأسلحة لتدمير المدينة ومنها القصف الجوي لغرض هزيمة داعش. واقع بوادره في مقدمات المعركة المرتقبة المؤجلة كما يبدو، لانقسام الأهداف من التحرير، ومغانم المحاصصة ونظامها الذي احتلت القوات الأميركية من أجل تطبيقه العراق، وتقاتل إيران لتثبيت مشروعها القومي الفارسي فيه عبر ما تمليه سياسيا وعسكريا وعقائديا لفرض إرادتها.

هل سنشهد تحرير أم تدمير الموصل؟ وليس من المستبعد أن يعود الحديث أيضا عن مخاطر انهيار سدّ الموصل، لم لا وحظيرة الأحزاب الحاكمة تتوسع كل يوم لاستيعاب يأسنا والمزيد من العجول المتناطحة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر