الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

2030 المشروع العربي وضرورة السعودية الجديدة

رؤية المملكة العربية السعودية 2030 تتخذ من الاقتصاد جسرا للعبور إلى الضفاف السياسية الراسخة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/05/01، العدد: 10262، ص(7)]

رؤية الحاضر للمستقبل

برلين - من جديد تبرز الأهمية الكبرى، للبعد الجيوسياسي الذي تمثله السعودية عربياً وعالمياً. فالبلاد التي يحملها عاملان غير قابلين للتغيير، كونها منبع العرب والعروبة، وكونها أرض المقدسات الإسلامية، لا تستطيع اليوم سوى أن تقوم بدورها القيادي في عالم عربي وإسلامي شديد الاضطراب، مدركة أن الأدوات القديمة لم تعد تصلح للعصر الجديد، ليس فقط سياسياً وعسكرياً، بل على جميع الجبهات وفي آن معاً.

خارطة الحضارات

ليس عبثياً كان استعمال الأمير محمد بن سلمان وليّ وليّ العهد السعودي ووزير الدفاع، وصاحب رؤية 2030، لتعبير “خارطة الحضارات” في الحديث عن الاستفادة من مرتكزات القوة في السعودية. فتلك البلاد كما قال، لم يبدأ تاريخها مع الإسلام، مع اعتزازها بالحضارة الإسلامية وعهدها الذي بدأ خلال أربعة عشر قرناً قبل الآن. لكنّ ثقلاً آخر تحمله خارطة الحضارات تلك، وهي التي تشرف على أهم ثلاث ممرات مائية في العالم، عبرت فوق رمالها وأنحائها الشاسعة قوافل الشعوب التي عاشت في العالم القديم.

التأصيل الحضاري جزء من تلك الرؤية، وهو ما يتجاوز اختزال السعودية بالهوية الضيقة، إلى العالمية. ويضعها في موقعها الذي يجب أن تكون فيه، حتى تتمكّن من القيام بدورها الاستراتيجي، وحين يصبح العالم شريكاً لها، وتصبح هي شريكة له في مستقبل واحد.

وقد لا يبدو للوهلة الأولى ما يختبئ خلف هذا التوجه، من عمق يجعله متصلاً بمشكلات الإرهاب والتطرف، وحتى الطبيعة المحافظة دينياً. فالمشروع أبعد من مجرد فتح لبوابات السعودية أمام السياحة. بل أمام الوعي الآخر، بأطيافه المختلفة التي تستطيع تصدير صورة مختلفة عن الإسلام والعروبة، بعد الاهتزاز العنيف الذي تعرّض له مفهوماها خلال العقود الماضية وهو مستمرّ حتى اليوم.

مشروع 2030 يطمح إلى خلق بدائل بالاستثمار

ويخطئ من يعتقد أن ما يتغير في السعودية لن يغيّر في العالم العربي والإسلامي. فالقبلة هي القبلة. وتأثيرها المركزي متواصل، شاء حلفاؤها وخصومها أم أبوا. ومملكة عربية إسلامية متقدمة حضارياً وتنموياً لاشك أنها ستكون نموذجاً سريع التناقل والاستنساخ في المحيطين العربي والإسلامي.

تقول رؤية الأمير محمد بن سلمان، إن العالم العربي هو عمق للرياض. بينما تشير الأحداث إلى أن العالم العربي هو فضاء المشروع الرؤيوي الجديد الذي سيتكامل مع غيره في محيطه. وسيبرز إشعاعه في القدرة الثورية على التغيير في مختلف مجالات الحياة، سواء على الشعوب العربية أو حكوماتها.

ولا يقف البعد الحضاري عند العالم العربي والإسلامي. فالسعودية شبه القارة التي تلتقي على تخومها ثلاث قارات، مسرحٌ جاهز لأحد احتمالين، تصارع وفناء، أو ازدهار وتصالح إنساني واسع ومتعدد، بين العديد من المحاور في العالم لتكون القاعدة الصلبة، والضرورة الملحة للجميع.

الاقتصاد والسياسة

يتخذ مشروع 2030، الذي يتجاوز حجمه الخمسة آلاف كلمة بقليل، من الاقتصاد جسراً للعبور إلى الضفاف السياسية الراسخة، والتي لم يفت ذكرها والتأكيد عليها الذهنية التي أطلقت تلك الرؤية.

فالإدمان على النفط، والذي عاش طويلاً كعامل إدانة ضد المجتمعات الخليجية، دون أن يكون لها ذنب في أن الطبيعة اختارتها لتسبح على بحيرة من الذهب الأسود، جاء اليوم الذي يجري فيه تفكيكه والمرور منه إلى ما هو أكثر أمناً وثباتاً حسب الأمير محمد بن سلمان، ألا هو والاستثمار.

مشروع 2030 تجسيد لعلاقة جديدة ما بين الحكم والشارع. يواكب كل منهما الآخر في رحلة المستقبل. يعلنها جيل قيادي شاب في السعودية، ولا يبدو هذا بعيداً عن حلم الشباب العربي

فالخليجيون كما يراهم الأمير، عقليات استثمارية، لم يتاجروا بالنفط، بل بما وفّره النفط من رخاء. وكانت كل نجاحاتهم في العقارات والتجارة الخارجية والاستيراد والتصدير. وتمكنوا بفعل ذلك من تحقيق الثروات الهائلة التي يظلمها المحللون حين يرجعونها إلى وجود النفط وشركاته الكبرى.

تصوّر من هذا النوع، خلق “إدمان النفط”، ليس فقط لدى المجتمعات الخليجية، والسعودية منها على وجه الخصوص، بل حتى في تعاطي الآخرين مع تلك المجتمعات، مما تسبب بتعطيل القطاعات الأخرى. وسيساهم في ذلك أيضا مشروع طرح 5 بالمئة فقط من أسهم أرامكو الشركة العملاقة، للاكتتاب، ليكون أكبر اكتتاب في تاريخ العالم. بسبب ضخامة حجم أرامكو التي تقدر بتريليوني دولار. وهو أمر لم يحدث سابقاً.

فما الذي يفعله أمرٌ كهذا، في ما وراء الناتج الاقتصادي بتحويل الدخل من النفط إلى الاستثمار؟ إن التشارك الذي سينتج عن شراء أسهم في أرامكو، ما بين الشعب والحكومة السعودية، في شركة من هذا القياس والنوع، سيعطي دفعاً للمواطنة السعودية بشكل خاص. بحيث يشعر السعودي أنه شريك ليس فقط في بيع النفط للعالم، بل في تحويله الصناعي أيضاً، حين يجري طرح الشركات المتفرعة عن أرامكو، والتي تعمل منذ عقود على صناعات بتروكيميائية مختلفة. إضافة إلى كونها كما يقول عنها الباحثون “كيان استراتيجي دائم”، إذا ما أضفنا انفتاح الرؤية على بيع أسهم من أرامكو لغير السعوديين أيضاً، وعلى شكل موجات متلاحقة، مع الأخذ بعين الاعتبار مكانة وحجم شركة سابك، التي يملك صندوق الاستثمارات العامة أغلبية أسهمها (70 بالمئة).

يطمح مشروع 2030 إلى خلق بدائل بالاستثمار، مثل بناء أول منشأة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في السعودية، وتأسيس شركة إنشاءات عملاقة ضمن أرامكو، وهذه ستكون أيضاً معروضة على العامة للاستثمار فيها.

مشاريع طموحة

يقول الأمير محمد بن سلمان إنه وبحلول العام 2020 “نهدف إلى أن نرفع الإيرادات غير النفطية بأكثر من 100 مليار دولار إضافية. أنجزنا عدداً من الإصلاحات السريعة في العام 2015 والتي استطاعت أن ترفع عوائدنا غير النفطية بنسبة 35 بالمئة. وهذا العام نحاول أن نضيف 25 مليار دولار إضافية. وأعتقد بأننا سوف ننجح في تحقيق أكثر من 10 مليارات دولار كعوائد غير نفطية إضافية خلال العام الحالي 2016” .

ذلك الكيان الاقتصادي الجديد بوسعه أن يؤثر وبقوة على صناعة القرار العالمي بتحريره من لعبة النفط وأسعار النفط، وربطه بآفاق الاستثمار المتعددة. وهو ما سيعزز من قوة القرار السياسي والخيارات السياسية الخارجية للرياض في المرحلة القادمة.

الشعب يراقب

كانت تلك هي المشكلة في ربيع العرب الدامي، أنّ الشعب أراد أن يراقب، ولم يسلم نظام في المنطقة من تلك العلاقة المأزومة ولا من ذلك المطلب. لكنّ بلداناً عربية نادرة، اختارت قياداتها المضي بنفسها نحو جلب الشعب إلى لعب دوره في الرقابة. وأثمر خيارها ذاك عن استقرارها وتوطيد صلة الحكم فيها بالقاعدة الشعبية. والإمارات والمغرب مثالان ناجحان لتلك الوصفة.

الأمير محمد بن سلمان، يختار هو الآخر في رؤيته 2030 أن يعطي ذلك الحق للشعب عبر التأكيد في كل مرة على مبدأ “الشفافية” كمحصلة لمجمل مشاريع الرؤية المطروحة. “الشعب يراقب” تكررت أيضاً في حديثه عن إعادة توزيع الدعم على الطاقة والمياه على المواطنين. فما أثار استغراب الأمير ذهاب أكثر من 70 بالمئة من الدعم للأثرياء. بينما يتبقى لمتوسطي الدخل والفقراء أقل من 30 بالمئة منه. وهو ما وعد بتصحيحه، وتطبيقه على نفسه أولاً. ومن لم يعجبه من الأثرياء هذا القرار “ليذهب ويصطدم بالشارع” كما قال في لقائه مع الإعلامي تركي الدخيل على قناة العربية.

إذن هي علاقة جديدة ما بين الحُكم والشارع، يعين كل منهما الآخر على الرؤية القادمة ورحلة المستقبل. يعلنها الجيل الشاب في مؤسسة الملك في السعودية، فهل هذا بعيد عن حلم الشباب في السنوات الخمس الماضية من عمر التحولات العربية؟

التأصيل الحضاري جزء من رؤية 2030، وهو ما يتجاوز اختزال السعودية بالهوية الضيقة، إلى العالمية. ويضعها في موقعها الذي يجب أن تكون فيه، حتى تتمكن من القيام بدورها الاستراتيجي حين يصبح العالم شريكا لها

يقول البعض إن السعودية تأتي من مكان بعيد. أي أنها تأخرت في طرح رؤيتها السياسية والاقتصادية اليوم، بعد تمدد الأذرع الإيرانية وانهيار أسعار النفط والقرار الأميركي بالانسحاب من الشرق. لكن التحولات التاريخية لا تحسب استباقياً. وما يجب أن يكون لن يحصل قبل اكتمال ظروفه. ورؤية مثل 2030 لم يكن ممكناً لها أن ترى النور سوى في ظروف مثل هذه وبذهنيات جديدة وشابة كما هو الحال الآن، بحكم أن النظام الرسمي العربي برمته، من المحيط إلى الخليج، كان في العقدين الماضيين يشهد تغييرات كبيرة كجمر تحت الرماد في مواقع كثيرة من الخارطة، قبل أن تنفجر الأمور في مواقع أخرى. والتغيير كان سيحصل، بحكم التطور الآتي من القادمين الجدد إلى المستقبل في الدول العربية، كلٌّ حسب طبيعة بلاده.

شكل الدولة المحافظة، الذي هو قدر أبدي للسعودية، بحكم مرتكزات قوتها ودوافع تطورها ذاتها، لا يمكن الفكاك منه، لا سيما مع شخصية مثل الأمير محمد بن سلمان، الأقرب إلى الحداثي المحافظ.

في عهد الملك سلمان، تمت إعادة ترتيب البيت الداخلي السعودي، وتمكين التموضع السياسي في الإقليم، والتقدم إلى قيادة العالم العربي بالتعاون مع الحلفاء في الخليج ومصر وتركيا. وتم تحديد طبيعة الصراع على النفوذ وآفاقه، سواء في اليمن أو سوريا.

تمكنت النساء من التصويت لأول مرة في انتخابات عامة. ففازت عشرون سيدة منهن في تلك الانتخابات. وتم ضبط سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت مطلقة بشكل غير منضبط. بالإضافة إلى تغييرات كبيرة على مستوى الأداء الإعلامي والثقافي ومحاربة الفكر المتطرف، وإعادة إنتاج خطاب جديد. في الوقت الذي تراجع فيه الخطاب الحضري في كل من العراق وسوريا واليمن، خطوات إلى الوراء.

الانعكاس على الفضاء العربي

تبحث المنطقة عن مشروع عربي، بدأ بالتشكل مع الشرر الذي تطاير من فوضى انهيار أنظمة هنا أو هناك وصعود الإسلاميين. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه الأصوات التي تهاجم العرب من كل حدب وصوب. ولم يكن آخرها الانتقاد المستفز الذي يوجهه الرئيس الأميركي باراك أوباما للحلفاء العرب، بين الوقت والآخر، وكذلك الهجمة الإيرانية التي تفاخر باحتلال أربع عواصم عربية منها اثنتان مركزيتان لطالما ألفت الرياض التنسيق معهما لحفظ توازن المنطقة (بغداد ودمشق).

الرياض تقع في قلب المشروع العربي الناشئ. وكلما كان هذا القلب أكثر نبضاً بالحياة والتنمية والتجدد كلما تدفقت دماء جديدة في جسد المشروع الذي لا خيار آخر له سوى أن يكون. وكما ينعكس سياسياً واقتصاديا على مصر والخليج الذي تتكامل فيه المشاريع التنموية ما بين أبوظبي والرياض وعواصم شقيقة أخرى، سينعكس بالتأكيد على سوريا والعراق واليمن بصور مختلفة وحتمية.

رؤية شاملة لمشاريع مثمرة

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر