الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الآباء لا يقرؤون.. إذا الأبناء لا يطالعون

سبب تدني قيمة القراءة عندنا يعود إلى عدم تحبيب الأطفال في القراءة وتدريبهم على التعامل مع الكتاب منذ نعومة أظفارهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2013/08/05، العدد: 9283، ص(21)]

إذا كانت أمة اقرأ لا تقرأ فإن نسلها لن يطالع، إنها نتيجة حتمية للبيئة التي يتربى فيها الطفل العربي وينشأ، فنفوره من الكتاب نابع من التربية الاجتماعية المسؤولة عنها بالدرجة الأولى الأسرة، فالبيت الذي يحتوي على مكتبة ولو صغيرة، وبها بعض الكتب والمجلات والقصص المشوقة، ولم يكن أفراد الأسرة ولا سيما الأم والأب من القارئين والمحبين للكتب، فإن الأطفال لن يحبوا الكتاب ولن يطالعوا أبدا والعكس صحيح.

والسبب الرئيسي في تدني قيمة القراءة عندنا هو عدم تحبيب الأطفال في القراءة وتدريبهم على التعامل مع الكتاب منذ نعومة أظفارهم، فتعويدهم على مسك الكتاب وتصفحه قبل دخولهم المدرسة يمكن أن يحدد مدى نجاحهم مستقبلا. وتعتبر القراءة للطفل قبل سن المدرسة من الأنشطة الذهنية الهامة التي تغذي عقله، ولها تأثير قوي في مهاراته العقلية والحسية، فهي من أهم الوسائل التي تعزز ذكاءه وتزيد إدراكه للعالم المحيط به، وتنمي ذائقته وتكسبه التفكير العلمي المنظم والقدرة على الابتكار، وتمثل دافعا له على الدراسة وحب التعلم.

ومن الضروري أن توفر الأسرة للطفل منذ بلوغه الثانية من العمر بعضاً من الكتب الخاصة بسنه والتي تشبه الألعاب في أشكالها، وتحتوى على عديد الرسوم والصور الملونة التي من شأنها أن تلفت انتباهه وتجعله يتعلق بها.

وقد أثبت عديد المختصين في علم النفس جدوى القراءة للأطفال وإشراك الآباء والأمهات أبناءهم في الحوار الذي تشتمل عليه القصص التي يقرؤونها لهم، لكن هذه العادة في زمن العولمة والتكنولوجيات المتطورة أكل عليها الدهر وشرب وبلي عهدها لدى أجيال اليوم.

كما أن المصنفات الأدبية الموجهة إلى الأطفال الذين ينتمون إلى المجتمعات العربية شحيحة جدا، وأغلبهم ينشأ في بيئة اجتماعية لا يعرف فيها غير النزر القليل من الكتب، التي وإن توفرت فإنها تكون إما مرتبطة بمناهج دراسته أو لا تتماشى وطبيعة سنه.

والأدباء العرب الذين تخصصوا في الكتابة لهذه الشريحة في غالبيتهم لا يراعون ذائقة الطفل ولا يستجيبون لمتطلباته وتطلعاته في مصنفاتهم أو أنهم يتناولون مواضيع جفت روحها من كثرة الاستهلاك ولم تعد تنفع الطفل في شيء.

أغلب من انتهج الكتابة للطفل يظن أنها سهلة وهينة، ولا يدرك أن الطفل العربي كأيّ طفل في عالم هو قارئ فضوليّ…

بل هو باحث صغير لا تنطلي عليه الكتابات الساذجة ولا تشده الأفكار المشحونة التي لا تحرك ما بداخله ولا تحفزه كفاية على المطالعة وحب الكتاب.

ليس من باب التجني إذا قلنا إن عديد الأطفال في المجتمعات العربية يعيشون على هامش الاهتمامات، يستقون معارفهم إما من بعض الأفلام الكرتونية التي لا تمت إلى بيئتهم ولا إلى مجتمعهم وعاداتهم وتقاليدهم بصلة، أو من المصادر التكنولوجية التي تزيد في توسيع الفجوة بينهم وبين مجتمعاتهم، لهذا فإن أغلبهم تثقل كاهله المشاكل الاجتماعية عند بلوغه وتتلقفه الأمراض النفسية ويصبح عالة على أسرته ومجتمعه.

لا نستغرب أبدا من أن الطفل العربي لا يقرأ إلا سبع دقائق في السنة مقارنة بالطفل الأميركي الذي يقرأ بمعدل 6 دقائق يومياً ولا يجب أن نلومه، لأنه وبكل بساطة مهمل من قبل أسرته ومجتمعه، الكل يلومه ويطالبه بالمطالعة في حين لم يوفروا له الأرضية الملائمة ولا القدوة الصالحة.

أما عن الكتب والمطبوعات المخصصة له فحدث ولا حرج… فهي لا تتجاوز 400 كتاب في العام، في حين يبلغ نصيب الطفل الأميركي من الكتب 13.260 كتاباً في العام.

إن غياب اهتمام الأطفال بالكتاب في الدول العربية يرجع بالأساس إلى تدني الوعي المجتمعي بقيمة القراءة والمطالعة في الحياة العامة.

ولعل ما يدعم قولنا هو التقرير الحديث لمنظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو) الذي يكشف أنّ معدل نشر الكتاب في العالم العربي لم يتجاوز 7 بالمئة، وأن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة في العالم لا يتجاوز30 كتابا، مقابل 584 كتابا لكل مليون أوروبي و212 لكل مليون أميركي، وهذه أكبر مصيبة حلت بالعرب وجعلتهم خلف الركب، رغم أنهم كانوا مهد الحضارات ومهبط الديانات السماوية.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر