السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

أربيع أم خريف صحافي

إشكالية الربيع والخريف العربيين ستحيلنا إلى علاقة الصحافي بجمهوره ومساحة الموضوعية التي عليه التمسك بها عند نقل الحقيقة، محاكمة الظواهر واستخلاص النتائج منها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/05/03، العدد: 10264، ص(18)]

عصفت بعدد من البلدان العربية عاصفة التغيير، لم يكن ذلك العصف ليوحي أنّه الربيع وقد حلّ بنسائمه وأزاهيره ورومانسيته واعتدال المزاج فيه، فقد كانت هنالك دماء سُفِكت ومواطنون تمّ تعذيبهم وإلقاؤهم في قعر السجون، وكانت هنالك مبان أُحرقت، وممتلكات جرى تخريبها وكل ذلك كان على وقع الرصاص.

لكن مجرد أن تكون المحصلة هي تغيير أنظمة انتهى عمرها الافتراضي فقد كانت فرحة كبرى عارمة في الأوساط الشعبية الأكثر تضررا، تلقفت الصحافة كل ذلك وزادت من جرعة الأمل والتفاؤل وصارت مفردة “فلول” مفردة دائمة الحضور في التغطيات الصحافية فضلا عن فصول المحاكمات لهذه الفلول، والتي ظلت الشغل الشاغل لتلك الصحافة الربيعية.

لكن بعد نصف عقد من الزمن على إطلالة ذلك الربيع ومع إجراء مراجعة بسيطة سنجد أن الصحافة العربية قد بذلت مجهودات كبيرة في تغطياتها وكرست مساحات عريضة لتسليط الضوء على تلك المرحلة العاصفة من حياة العرب.

ثم إن هذه المراجعة ستقودنا إلى حساب الحقل في مقابل حساب البيدر، هل وجدت الصحافة العربية لنفسها خارطة طريق وسط ذاك الربيع؟ وهل واصلت التبشير به وبنتائجه الحلمية العظيمة ومن ذلك السؤال، هل حقق الربيع أهدافه وجاء بالمنّ والسلوى للجماهير المتعطشة للتغيير؟

لن تجد صحافة الربيع العربي متسعا للإجابة على ذلك السؤال الحاسم، وستترك للشعوب والمجتمعات العربية أن تتلمس طريقها بنفسها وستنأى صحافة الضجيج الربيعي العربي بنفسها عن موطن الفتنة.

هي حقا مفارقة تلك التي نشهدها اليوم، أفول تلك المساحات الرومانسية في تغطيات الربيع العربي وتقهقر الصحافة الربيعية إلى مواقع أقل ما يقال عنها أنها متناقضة بل إن منها ما راح يسمي ذاك الربيع خريفا داميا.

عند هذه النقطة المفصلية سنعود إلى ثنائية السياسي/ الصحافي، ومقدار التبعية ولنقل الانسجام ما بين الطرفين، مع أن مقولات من قبيل أن الصحافي يجب أن يكون متقدما في رؤيته الثاقبة والاستقصائية على السياسي إلا أننا نجد أنفسنا في ما يتعلق بالربيع العربي البائد أمام تبعية وانقياد تامّ ورضا بما ستؤول إليه ساحات السياسة، صحافة تسكت على ما سمته ربيعا وقد صار اسمه خريفا وكابوسا، لأنه إن استهدف أنظمة عربية بعينها فإنه أسقط منظومة عربية بأكملها، زحفت إليها أوبئة الصراعات الطائفية والمذهبية وصارت الأمة يضرب بعضها رقاب بعض.

من هنا وجدنا أن إشكالية الربيع والخريف العربيين ستحيلنا إلى علاقة الصحافي بجمهوره ومساحة الموضوعية التي عليه التمسك بها عند نقل الحقيقة، محاكمة الظواهر واستخلاص النتائج منها، ربما هي مرحلة جديدة تأخذ الصحافة درسا بليغا مما جرى، فلا تتسرع وتسبغ الأوصاف العظيمة على الظواهر قبل أن تهدأ الموجة وتظهر نتائجها، كما نشهد اليوم من خراب عربي تقف فيه الصحافة في حيرة من أمرها، بينما أرشيفها يعجّ بقصص احتفالية بالربيع العربي المأمول.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر