الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

قطيع الدكاترة

إن مبدعًا واحدا في العلم والأدب والفكر أهم من جميع حملة الدكتوراه من الحفظة والمستغرقين بلقب يمنحهم هيبة اجتماعية سرعان ما تتلاشى أمام منطق الحياة في انفجارها.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/05/03، العدد: 10264، ص(14)]

يُنظر إلى الجامعة بوصفها إنجازا بشريا عظيمًا في مسار المعرفة البشرية، فهي مصنع النخب الأساسي للمجتمع ، ومن كل أنواع النخب، وهي المكان الأهم لخلق أخلاق العلم والمعرفة، فضلا عن أنها تحولت مع الأيام إلى قوة مجتمعية رائدة في حقل التغيير والثورة؛ إذ تضم هذه المؤسسة الفئة العمرية من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين السابعة عشرة والثالثة والعشرين. وهذا يعني أنها تضم الحيوية الفكرية والكفاحية الشجاعة .

وفي الجامعة المئات من أعضاء الهيئة التعليمية من حملة شهادة الدكتوراه، وهؤلاء من حيث المبدأ على علاقة خاصة بالتدريس وإنتاج المعرفة، ويمثلون حضورا ما في أعين الطلاب.

وتحتوي الجامعات العربية الآلاف من الدكاترة بمراتب متعددة: أستاذ وأستاذ مساعد ومدرّس.

ومن خلال خبرتي الطويلة أستاذا ومحاضرا في أغلب جامعات العرب وعضوا في لجان الحكم والتحكيم تيقنت أن حضرات الدكاترة في الغالب هم قطيع من الأكاديميين المساكين. ولا يختلفون في شيء عن قطيع من العوام. بل إن من العوام من هو أكثر حضورا من الأكاديمي هذا.

ويجب أن يعلم القارئ العزيز أن شهادة الدكتورا قد تكون واحدة من الأكاذيب الكبرى في تاريخ البشرية، فهناك جمهور من حملة الدكتوراه بالكاد يعرف قليلاً من علم تخصص به، فضلاً عن حال الفساد الذي اعترى بعض الجامعات في الشرق والغرب والذي سهّل لبعضهم الحصول الشكلي على شهادة الدكتوراه، بل وأعرف حالات من الجاهلين جهلا مطلقا بالمباحث التي تخصصوا بها، ثم يحاضرون من على منابر القاعات الدراسية دون خجل أو وجل . لقد استطردت كثيرا حتى نسيت الفكرة التي أشغلتني وحملتني على الكتابة ألا وهي حضور الدكاترة في الحياة الراهنة للعرب وأحوالهم.

فإذا استثنينا العدد القليل من الدكاترة الفاعلين الاجتماعيين والمبدعين المنتمين الآن إلى الحراك الربيعي العربي فإننا نلحظ الغياب شبه الكامل لأعضاء الهيئات التدريسية في هذا الحراك. بل إن التاريخ يجري وهم في سبات في بيروقراطيتهم المقيتة. مع أنهم لو حضروا لمنحوا هذا الحراك قوة وتأثيراً بسبب ما يتمتعون به من هيبة اجتماعية. غير أن خوفهم على استقرار عيشهم حوّلهم إلى متفرجين سلبيين على وقائع الحياة.

بل تخيل معي أيها القارئ العزيز لو أن الأستاذ قد اندمج مع طلابه في معمعان الحراك العربي بصورة أو بأخرى لكانت قوة الجامعة قد تحولت إلى عنصر أساسي من قوة الحراك. بل يكفي أن يعرف الطلاب موقف الأستاذ الإيجابي من آمالهم الثورية حتى يمنحهم ذلك شعورا بالثقة،

وبالعكس حالما يحس الطلاب بخذلان بعض الأساتذة يتحول هؤلاء الأساتذة إلى موضوع سخرية ويسقطون هم وعلمهم من أعين الطلاب.

بقي أن أقول إن كل من اشتهر من الدكاترة وحضر في الحياة، لم يشتهر ويحضر بوصفه دكتورًا وإنما اشتهر وحضر بوصفه مبدعا، ولعمري إن مبدعًا واحدا في العلم والأدب والفكر أهم من جميع حملة الدكتوراه من الحفظة والمستغرقين بلقب يمنحهم هيبة اجتماعية سرعان ما تتلاشى أمام منطق الحياة في انفجارها.

ولهذا ترى هذا النمط – القطيع الأكاديمي – غير مهموم بما يجري في الأوطان، وإن كان مهموما فلا يعبّر عن همه، فيما جميع المبدعين تقريبا هم في شغل هذه الأيام، فليعش المبدع ويسقط الأكاديمي.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر