الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

اللحظة التاريخية تحت المقصلة

المفارقة أننا لا نهتم بالمناخ والاحتباس الحراري الذي غير وجه الحياة ومستقبلها في بلادنا، لأننا أسرى الاحتباس المتخلف لمشروع إيران الطائفي والسياسي ونفاق مصالح الدول الكبرى.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(8)]

وَصَفَ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون التوقيع على اتفاقية باريس للمناخ بأنها “لحظة تاريخية” وخاطب قادة 175 دولة حضروا إلى نيويورك “إنكم توقّعون اليوم عهدا جديدا مع المستقبل”.

يأتي توقيع 22 أبريل 2016 بعد إقرار 195 دولة في اجتماع باريس 12 ديسمبر 2015 على الاتفاقية التي حملت اسم العاصمة الفرنسية، وسبقتها مشاورات طويلة لسنوات من قبل الدول الكبرى المنتجة للمواد الخام والنامية أيضا بهدف معالجة مشكلة الاحتباس الحراري. ربما لا نلتفت في بلداننا إلى مخاطر التغيرات المناخية، ولا نسعى إلى اتخاذ احتياطات للحد من الآثار الناجمة عنها، رغم أننا أكثر المتضررين منها.

العراق في قلب العاصفة الاقتصادية لاعتماد دخله القومي على مبيعات النفط التي باتت تُرفق بمصطلح الوقود الأحفوري ومنها الغاز والفحم الحجري، لظهور الطاقات البديلة أو الطاقات النظيفة، وهي الانقلاب الواسع الذي يستحق مفصل “اللحظة التاريخية” كما جاء في وصف الأمين العام للأمم المتحدة.

اتفاقية المناخ والتوقيع عليها لن تكون سارية المفعول إلا بعد مصادقات برلمانات 55 دولة منفردة عليها، ومحتمل أن يكون ذلك في بدايات 2017، وتهدف إلى خفض درجة حرارة كوكب الأرض درجتين مئويتين أو درجة ونصف للعودة إلى التوازن الطبيعي لمعدلات الحرارة قياسا لما قبل الثورة الصناعية.

الإجراء يتطلب إيقاف انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري الذي من نتائجه فقدان كتل جليدية ضخمة بالذوبان وحدوث فيضانات مدمرة واختلال في كمية الأمطار وتوزيعها، بما يؤدي إلى الجفاف في مناطق لا علاقة لها أصلا بالغازات المنبعثة، وأضرار حتمية في الثروات الحيوانية لقلة المراعي والنباتات الطبيعية، وكذلك الإضرار بالحياة في البحار والمحيطات وزيادة ملحوظة في العواصف وموجات التسونامي وغيرها.

غابات الأمازون التي تُعرف برئة الأرض فقدت مساحات واسعة من غاباتها تقدر بمساحة العراق وسوريا، وهي تحت مراقبة دائمة من الأقمار الصناعية لرصد الاحتطاب الجائر والسعي لحماية خزانات أو آبار الكربون، وهناك مباحث ومساع دولية لتوفير أجهزة إنذار مبكر تتولى الاستشعار بالمتغيرات البيئية.

العالم يستخدم 80 بالمئة من الوقود التقليدي، أي النفط والغاز والفحم الحجري والطاقة النووية، و20 بالمئة طاقة بديلة. الاتفاقية بعد تطبيقها ستقلل من نسبة استهلاك الوقود وزيادة نسبة الطاقة البديلة.

انشغالات دولة مثل العراق بمشاكلها السياسية والأمنية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي ورفع الحظر الأممي على صادرات نفطها، وارتفاع سعر البرميل في الأسواق العالمية، وفرت قاعدة استرخاء للأحزاب الحاكمة لتبذير الثروات في الإثراء غير المشروع والصفقات المشبوهة وغياب الرؤية الإستراتيجية لبناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على وجهات نظر لا ترى في التنمية إلا استخراج كميات أكبر من النفط وبيعه، ثم تصريف شؤون البلاد على طريقة إقرار ميزانية سنوية تزدحم بالإخفاقات والخلافات في التوزيع والتأخير، وفشل حكومي صارخ في تنفيذ المشاريع الخدمية والصناعية والزراعية.

العراقيون كانوا يأكلون من سلتهم الغذائية ويستوردون القليل، أي أنه بلد زراعي يعتمد على السقي من نهريْ دجلة والفرات وروافدهما، وفي المساحات الديمية على الأمطار وهي ضمن معدلات استقرار في كمياتها ومواعيدها مع استثناءات جفاف في سنوات معينة يعرفها أهل العراق بسنوات القحط وآخرها كانت في الخمسينات.

مع اكتشاف النفط واستخراجه نهاية العشرينات دشن العراق قوة اقتصادية جديدة تحت إدارة الشركات الأجنبية، إلى أن حدثت الطفرة النوعية بتأميم النفط في 1 يونيو 1972 لشركة نفط العراق، ثم التأميم الشامل بالقانون رقم 200 سنة 1975.

النفط سبب قوة الدولة العراقية، لوقوفها على إمكانات كبيرة في الإنتاج والاحتياط، لكن التأميم أضرّ بمصالح الشركات العالمية مما أدى إلى صراع طويل انتهى باحتلال العراق تحت متغيرات الأحداث ووقائع السياسة ومبرراتها، لكن ما شاهدناه أثناء دخول القوات الأميركية أن بغداد كانت تحترق، بكل وزاراتها ومؤسساتها، ما عدا وزارة النفط ووزارة الدفاع كانتا تحت الحماية الأميركية.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة ومنها ما بعد احتلال العراق، أنتج العالم عقولا تنتمي إلى اقتصاد معرفي وثقافي، أبدل المفاهيم حتى لمن كان يعتقد أن الانفتاح في القوانين المتعلقة بالاستثمار وانتقال رؤوس الأموال غاية التطور الاقتصادي، وغاب الاستثمار في الإنسان، مصدر الابتكار للتنمية الحديثة وخطوة البشرية للمستقبل.

التصحر يضرب بقوة بلدانا عديدة ويهدد البحيرات في بعض مناطق العالم بالجفاف خلال العقدين القادمين، وتفاقم في مشكلة المياه العذبة وتسارع الخلافات حول تقاسمها بين دول المجرى، تشمل العراق الذي يعاني من فقدان الأمن وفشل الدولة وفوضى سياسية تجعل جوهر الأزمات الكبرى ومعالجتها يتراجعان إلى الخلف، وهذا مظهر فاضح لانهيار الدولة وعجزها.

ارتفاع أسعار النفط وارد، لأن السياسة وصراع الاقتصاد وتفشي الصراع الطائفي الذي فجرته الطموحات القومية لبلاد فارس، لا يمكن توقع محصلتها النهائية، لكن الانخفاض المستمر في الأسعار وارد أيضا مع كل المعطيات وآخرها التوقيع على اتفاقية باريس للمناخ حيث التوجه للطاقة البديلة، وما طروحات الرئيس باراك أوباما بالتوجه إلى آسيا اقتصاديا إلا في هذا السياق، ومواكبة الدول النفطية لرسم سياسات بعيدة المدى تتوخى ترسيخ الأفكار والرؤى بما يتماشى مع المتغيرات السريعة لأسلوب ونمط الحياة الاقتصادية وجدية الالتزام بها للسيطرة على ظاهرة الاحتباس الحراري.

مشهد لا يمكن مغادرته، لوزير الخارجية الأميركي جون كيري عند وصوله قاعة الأمم المتحدة برفقة حفيده، ليوصل رسالة إلى 175 من قادة الدول، الحاضرين للتوقيع على عهد جديد لمستقبل الأجيال، صفق له الجميع، لكن الإدارات الأميركية كانت، ومازالت، شريكا فاعلا في مآسينا من احتلال العراق، ثم تسليمه إلى إيران وإلى وجهيْ عملة الإرهاب، وموقفها المخجل من دموية الحاكم السوري والتدخل الروسي والإيراني في سوريا، ترى ماذا سيكون موقف العالم لو أن ولي الفقيه الفارسي وصل القاعة وبرفقته أطفال إيران الذين يجندهم للقتال في العراق وسوريا من أجل شعاراته الطائفية، ألا يشبه ذلك وصول زعيم تنظيم دولة الإرهاب داعش إلى القاعة ذاتها متباهيا بتجنيد الأطفال في الحرب دفاعا عن دولته، لكن المصيبة أن نتخيل الحاكم السوري يصل القاعة ومعه طفل ليوصل لنا أنه يسعى لعالم أفضل لأطفال حلب وسوريا.

مفارقة ألا نهتم بالمناخ والاحتباس الحراري الذي غير وجه الحياة ومستقبلها في بلادنا، لأننا أسرى الاحتباس المتخلف لمشروع إيران الطائفي ونفاق مصالح الدول الكبرى على حساب دماء شعوبنا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر