الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

خيار إيران في العراق: إما الانسحاب وإما العداء

التجربة السياسية التي قادتها إيران ورعتها وصلت اليوم إلى مأزق يبدو أن الفكاك منه صعب، إن لم تقبل إيران بتنفيذ خطة انسحاب تدريجي من الدولة العراقية، ومن التحكم بخيارات الأحزاب الشيعية.

العرب علي الأمين [نُشر في 2016/05/04، العدد: 10265، ص(9)]

المتظاهرون الذين دخلوا المنطقة الخضراء في بغداد السبت الماضي، حيث تقع المراكز الحكومية والدبلوماسية، دخلوا إلى البرلمان وهتفوا ضد إيران وقائد فيلق القدس قاسم سليماني، كما هتفوا ضد الفساد، عشرات الآلاف من العراقيين وهذه المرة بغالبية شيعية حددوا إيران وبعض قياداتها ولم يوجهوا سهام اعتراضهم لجهة عراقية رسمية، على غرار ما يحدث في دول العالم التي يتظاهر الناس فيها ضد السلطة.

“إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة”، و”يا قاسم سليماني.. هذا الصدر رباني”، هذه هي الهتافات بحسب ما نشر من فيديوهات موثقة في مواقع التواصل الاجتماعي التي دوت في أرجاء المنطقة الخضراء السبت وأطلقها المتظاهرون.

ويبدو أنّ ما حصل فاجأ إيران التي لم تتوقع أن تصدر هذه النقمة العارمة عن جماعات شيعية عراقية بهذه الحدة والعنف تجاه سياستها الكولونيالية في بلدهم، فأعلنت طهران الأحد عن وقف رحلاتها الجوية إلى بغداد، وحذر رئيس منظمة الحج والزيارة، سعيد أوحدي، مواطني بلاده من التوجه إلى العاصمة العراقية بسبب تفاقم الأوضاع الأمنية فيها بعد المظاهرات والأحداث التي تلتها السبت.

وجدير بالذكر أن الهدف المباشر لهذه التظاهرة كان الضغط على أعضاء البرلمان من أجل تمرير مشروع حكومة التكنوقراط التي قدمها رئيس الحكومة، حيدر العبادي للبرلمان طلبا للثقة، ومن المعلوم أن الكتل الشيعية الرافضة لإعطاء الثقة للحكومة العراقية التي اقترحها العبادي وتصر على المحاصصة السياسية ولها تاريخ حافل بالفساد، هي كتل مدعومة من إيران.

وهذه الكتل أصبحت عقبة حقيقية في وجه مشروع الإصلاح السياسي الذي اقترحه حيدر العبادي وأيدته مرجعية السيد علي السيستاني، ووجده السيد مقتدى الصدر فرصة للانقضاض على خصميْه اللدوديْن المدعوميْن من إيران، وهما حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي رئيس الوزراء السابق، والمجلس الأعلى الذي يقوده السيد عمار الحكيم، وذلـك بوصفهما الفـريقين الـرئيسيين اللذين يعرقلان الإصلاحات والتصويت على حكومة الكفاءات التي اقترحها العبادي.

وإذا كانت حركة مقتدى الصدر الأخيرة في تحالفه مع المجتمع المدني العراقي وإصراره على الإصلاحات الداخلية وفي هتافات أنصاره ضد إيران، قد بعثت حيوية جديدة في المناخ السياسي العراقي، فهل يمكن القول إن مسارا ثوريا انقلابيا يمكن أن يتأتى من وراء هذا الحراك الشعبي والمدني في العراق؟

ويؤكد متابعون للمشهد العراقي أن “الانتفاضة الأخيرة الممتدة منذ أشهر ليست مرتبطة بمقتدى الصدر، وإنّما هو من قرر أن يقفز من سفينة العملية السياسية التي غرقت بعدما وصلت إلى حائط مسدود بسبب الفشل على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية”، وهذا الفشل لدى الصدر أيضا له أهدافه السياسية، فهو يريد الانتقام من رئيس الحكومة السابق نوري المالكي خصمه التاريخي، كما يريد تحجيم خصومه التقليديين (آل الحكيم)، وأيضا يريد أن يتخلص من مراكز القوة داخل التيار الصدري، وهو أخيرا يرى أنّ الشارع الشيعي العراقي تحرك مطلبيا فأعلن الانتماء لهذه الحركة المطلبية، ولأنّ الصدر قوي ولديه جمهور عريض، ظهر وكأنّه يقود هذه الحركة، ولكن في الواقع الشارع هو من يقود هذه الحركة التي التحق بها الصدر ولم يطلقها.

الانتفاضة أو الحراك المتنامي عبّر أخيرا في رسالة لا تحمل أي التباس، عن غضب تجاه إيران وتحديدا قيادة الحرس الثوري التي تشرف على العملية السياسية من خلال تحكمها شبه الكامل بالأحزاب الشيعية في السلطة، وسيطرتها على كل الميليشيات الشيعية المنافسة للدولة، فضلا عن تحكم سليماني بقرارات تعيين المئات من الضباط في الجيش والقوى الأمنية الرسمية. وليس خافيا على العراقيين عموما أن كل المتورطين في فضائح الفساد هم من الذين يحظون برعاية وحماية إيرانية تمنع أي محاسبة لهم.

لكن ما يحدث في العراق وإن كان يؤدي إلى إضعاف الهيمنة الإيرانية، فإنه لن يؤدي إلى إنهاء الدور الإيراني. ولعل من أسباب قوة النفوذ الإيراني أنه يستند إلى التفاهم بين واشنطن وطهران القائم حول قتال تنظيم داعش، ووجوب الاستقرار السياسي، وعدم السماح بسقوط العملية السياسية، لكنّ التجاذبات بين الكتل السياسية وإصرار إيران على التدخل في تفاصيل السياسة والإدارة في العراق بواسطة قائد فيلق القدس قاسم سليماني، جعلا هذا التدخل ثقيلا على الشيعة كما على كل الشعب العراقي، وهو انعكاس لحالة الفوضى السياسية والفساد المالي والإداري في الدولة، حيث أصبح من الضروري الإشارة إلى مكمن العلة وهو حماية إيران لهؤلاء الفاسدين وكتلهم، واستمرار سليماني في التدخـل بشؤون العراقيين وتفريخ الميليشيات الشيعية الموالية لطهران بحجة قتال داعش.

فوجئ العراقيون، الاثنين الماضي، بخبر سفر السيد مقتدى الصدر إلى إيران وكأن شيئا لم يحصل. وانقسم الشارع العراقي حول هذا الأمر، حيث قالت بعض وسائل الإعلام إن الصدر استدعي من قبل إيران لمحاسبته على ما قام به هو وأنصاره، فيما أكد مناصروه أن ذهابه إلى إيران أمر عادي، فهو يملك منزلا هناك وأن إيران تعامل الصدر بندية ولا تستطيع أن تفرض عليه أمرا. وهو من أكد سابقا أنه سيقاطع جلسات البرلمان لأن الكتل تريد فرض المحاصصة، كما أنه سيعتكف العمل السياسي لمدة شهرين.

غير أن أوساطا عراقية محايدة أكدت أن مقتدى الصدر لطالما شهدت علاقته مع إيران مدا وجزرا واعتكافات احتجاجية، كان آخرها قبل عامين عندما جاء إلى لبنان واعتكف في الضاحية الجنوبية حوالي ستة أشهر، احتجاجا منه على دعم إيران المطلق لخصمه اللدود رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

الصراع المحتدم اليوم في العراق هو داخل البيت الشيعي، إذ أن هناك دورا محوريا لإيران فيه وسطوة من خلاله على العراق، ولكن الآن نستطيع أن نقول إن هذه السطوة قد تراجعت لأنّ إيران أسست وربطت مصالحها بطرف محدد في البيت السياسي الشيعي، وهذا الطرف قد أُثبتت عليه تهمة الفساد.

فالتجربة السياسية التي قادتها إيران ورعتها وصلت اليوم إلى مأزق يبدو أن الفكاك منه صعب، إن لم تقبل إيران بتنفيذ خطة انسحاب تدريجي من الدولة العراقية والتحكم بخيارات الأحزاب الشيعية، ذلك أن الفشل ثم الفشل هو ما أنتجته هذه السياسة الإيرانية التي شكلت غطاء لأكبر عملية نهب وتدمير للعراق، وما أصوات المتظاهرين في المنطقة الخضراء الداعية إلى خروج إيران من العراق، إلا إنذار لطهران التي لم تزل لديها فرصة بأن تكون صديقا للعراق وليس عدوا، لكن هل ثمة في إيران من يستطيع أن يدرك معنى أن تصدح أصوات عشرات الآلاف من الشيعة في العراق بالدعوة إلى خروج إيران من العراق؟

لكن الأهم هل يوجد في العالم العربي من يستطيع أن يستجيب لهذا الصوت العراقي العربي ويتخلى عن سياسة إدارة الظهر؟

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر