السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

دعه يأكل دعه يسكت

أغلب الأمهات اليوم لا يمتلكن مهارة الطهو وعاجزات عن إعداد أطعمة صحية لأطفالهن، ولا يجدن سوى فتح علب الأطعمة الجاهزة، وكلما جاع أبناؤهن يناولنهم شيئا منها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/05/06، العدد: 10267، ص(21)]

الطعام الذي تعده الأمهات بأياديهن فيه الكثير من المميزات، ونسجت حول خصائصه الكيميائية والاجتماعية العديد من الحكايات، التي ثمنت قيمته الغذائية ومجدت طعمه اللذيذ ورفعته إلى أعلى مستويات وارتقت به إلى حد الافتتان.

ومعظم الرجال اليوم في بريطانيا يفضلون ما تطبخه لهم أمهاتهم على ما تحضره لهم زوجاتهم، إلى درجة أن خمسة وسبعين بالمئة منهم -وفق ما أشار استطلاع جديد للرأي- يتشاجرون مع زوجاتهم حول طريقة إعدادهن للطعام.

وهذا الأمر ليس حكرا على البريطانيين فقط، فالمقارنة التى يعقدها الأزواج العرب بين طهو الأمهات والوجبات التي تعدها الزوجات تكاد تكون يومية، حتى وإن كانت الزوجة بارعة في فن الطهو ولديها دراية موسعة بالمطيبات والمحسنات، وتتفنن في تزيين الأطباق وتجعل طاولتها أكثر إغراء من طاولة الحماة.

ولكنها أحيانا مهما فعلت لن تكون في نظر زوجها أكثر مهارة من أمه في إعداد وجبات يسيل من رائحتها اللعاب، وحتى وإن لم يعلن صراحة لها عن ذلك، فمن المؤكد أنه في قرارة نفسه لن يشعر بطعم عطلة نهاية الأسبوع ما لم تتخللها وجبة دسمة من تصنيفات أمه.

ولا يجب أن تثير مثل هذه المسألة الجدال بين الشريكين، لأنه ليس من السهل على كل شخص تغيير عاداته الغذائية التي شبّ عليها في أسرته الأولى، وتكيف معها على امتداد عقود طويلة من الزمن.

وقد قدمت الأبحاث والدراسات العلمية أيضا أدلة قوية على أن الغذاء الذي تتناوله الأمهات الحوامل يتحكم في تحديد ما يفضله الطفل من طعام في المستقبل، وكل ذلك ناتج عن المعلومات الكيميائية والنكهات التي تنتقل إليه عبر السوائل الأمينية في الرحم، ومن خلالها يتكيف مع نوعيات الأطعمة في بقية مراحل عمره المستقبلية.

وأغلبنا تربطه بطعام أمه ذكريات جميلة تشاركها معها في الماضي، وتلك الذكريات تمنحنا شعورا بالراحة، كما أن تناولنا لطعام أعدته أمهاتنا قد يعود بنا إلى الأوقات الجميلة التي قضيناها معهن وبقيت عالقة في الذاكرة.

وقد جسد الشاعر الراحل محمود درويش حميمية تلك العلاقة في قصيدة ملؤها الحنين لخبز أمه وقهوة أمه.

ومفاد ذلك أن الطعام ليس مجرد وسيلة لإشباع البطون، بل هو رابطة مشتركة مع الآخر، وتحمل أصنافه وأطباقه وطرق إعداده ذكريات متبادلة، ويمكن له أن ينعش أحداثا طواها الزمن، ولكنها ممتدة في أذهاننا.

وما يفسر أسباب افتتان الأبناء بطعام الأمهات، ليس فقط مجرد الحنين إلى الماضي، بل ما خزنوه في الذاكرة من خلال الملاحظة والتكيف مع عادات الأمهات الغذائية التي تساهم بشكل كبير في تشكيل حاسة التذوق التي تبلغ ذروتها في مرحلتي الطفولة والمراهقة، ثم تقل بنسبة 10 بالمئة في مرحلة البلوغ والكهولة، ولذلك فما يتناوله المرء في صغره يظل عالقا على لسانه وفي ذاكرته ويقتدي به طوال حياته.

ولكن أغلب الأمهات اليوم لا يمتلكن مهارة الطهو وعاجزات عن إعداد أطعمة صحية لأطفالهن، ولا يجدن سوى فتح علب الأطعمة الجاهزة، وكلما جاع أبناؤهن يناولنهم شيئا منها.

ومثل هذه المشاهد تتكرر أمام عيني يوميا وتجعلني أتساءل عن الثقافة التي تحملها الأمهات العصريات عن أغذية الأطفال، وأكاد أجزم أنها لا تخرج عند أغلبهن من إطار “دعه يأكل دعه يسكت” غير مدركات أن التغذية يمكن أن تلعب دورا هاما في بناء أفضليات التذوق والشهية والعادات الغذائية، وتؤثر على صحة ونفسية الطفل، وقدرته على النجاح في الدراسة وفي الحياة بصفة عامة.

كاتبة من تونس مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر