الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

عشيّات الحمى

مكلين الذي عرف بدور الشرير في سلسلة أفلام “المتحولون” وكذلك في فيلم “سيد الخواتم” يقول إن شكسبير “ليس شيئا من الماضي تتم إعادة تركيبه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/05/06، العدد: 10267، ص(24)]

أراد بدوي الزواج من حبيبته، لكن والدها كان طماعا فطلب منه مهرا كبيرا. لم يستطع دفعه، فطلب مساعدة أبيه، لكن والده كان بخيلا فرفض. فزوجها أبوها لعامر. فحزن البدوي. فزوجه أبوه من امرأة اسمها جبرة. لكنه بقي حزيناً. وما لبث أن حمل حمله ورحل إلى الشام تاركا خلفه كل شيء. ومن يومها وحتى يومنا هذا، والبدوي يردد كلمات الحنين إلى العالم السحري الذي غادره.

ومن النادر أن تجد عربيا، اليوم، لا يذوب شوقا في سلسبيل قصيدة الصمة القشيري. التي قال في مطلعها “حننْتَ إلى ريَّا ونفسكَ باعدتْ/ مزارَكَ من ريَّا وشَعْباكما معَا/ فما حَسَنٌ أنْ تأتيَ الأمرَ طائعاً/ وتجزعَ أنْ داعي الصَّبابةِ أسَمْعَا” والتي صارت أيقونة بعد أن غنتها فيروز ووديع الصافي.

تضاف تلك القصيدة الأغنية، إلى الملايين من البيانات التي تم إنتاجها في الأدب وغيره، خلال ألف ونصف الألف من الأعوام. مشكلةً المحتوى المعلوماتي الضخم للثقافة العربية.

المحتوى الرقمي يتغير بتغيّر المتلقي. فمن يسمع الأغنية من فيروز ضمن مجموعة “أندلسيات”، يبدأ خياله على الفور، بتصوّر عشيات الحمى التي لم تعد رواجع، وتتعمّر في عقله أعمدة وقباب قرطبة والحمراء، بينما كل ما قصده الصمّة المسكين، كان بعضا من شجيرات شوك وأثل على كثيب رمال نثرت الريح بين أمواجه كرات الحنظل. ولو أن تلك القصيدة وضعت في كبسولة فضائية وأرسلت إلى حضارات في مجرات بعيدة، فإن تلك المخلوقات الضوئية ستفهمها بطريقة مختلفة أيضا. وهكذا، يصبح خيال المتلقي الجديد هو البطل، واللاعب الأساسي في تغيير المحتوى.

الأمر ذاته يشمل الفنون الأدائية، وصولا إلى السلوك اليومي للإنسان. فقبل أيام قليلة قامت مجموعة من المثقفين في أوروبا بإطلاق مبادرة لرفع الوعي بأعمال شكسبير، وذلك عبر إطلاق تطبيق على الهواتف الذكية. وكان من بين هؤلاء الممثل إيان مكلين الذي ظهر مع زملاء له على شاشة الهاتف. ويمكن لمستخدم التطبيق أن يمرر نص شكسبير على شاشته، بينما يقوم الممثل بإلقاء النص أمام الكاميرا.

مكلين الذي عرف بدور الشرير في سلسلة أفلام “المتحولون” وكذلك في فيلم “سيد الخواتم” يقول إن شكسبير “ليس شيئا من الماضي، تتم إعادة تركيبه. إنه لا يزال بيننا، لأن عبقريته جعلته يفهمنا”.

وشيئا فشيئا، تتحول سيادة الحكم على النص، من المثقف التقليدي إلى مثقف التكنولوجيا. فلم يعد قارئ التاريخ هو من يعرف أكثر، بل من يستخدم أحدث التطبيقات ويحسن اختيار أجيال الهواتف الذكية. وإذا ما حظينا بذاك التطبيق في ما يخص التراث العربي، فلا شك أن أكثر ما سيشغل بال المستخدم العربي، انسجاما مع اهتماماته، أن يعرف ما الذي دار بين الصمّة وجبرة، حتى قرّر الرحيل إلى آخر الأرض وقضاء حياته في الحنين، حتى أنه لم يكتف بهذا، بل ألقى بنفسه في أتون الحرب، ومات وحيدا تحت شجرة في بستان في طبرستان، متمتما “كأّنا خلقنا للنوى وكأنّما/ حرامٌ على الأيام أن نتجمّعا”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر