الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

المغرب العربي.. الرجل المريض والورثاء الانفصاليون

في ظلّ انحسار العمل التشاركي المغاربي بين الدول المتصالحة مع التاريخ والجغرافيا، تزيد الكيانات الهجينة والوهمية في الامتداد والانتشار جغرافيا ودبلوماسيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/05/07، العدد: 10268، ص(9)]

الفوضى التي عمّت اجتماع وزراء خارجية المغرب العربي، الخميس، في تونس العاصمة كانت متوقعة، والتوتر الذي أصاب اللقاء الوزاري الخماسي أمام أعين الصحافيين وكاميرات التصوير سبق وأن نبهنا إليه في مقالتنا السابقة على أعمدة جريدة “العرب” الغراء تحت عنوان “خارج الزمن المغاربي”.

غضب ممثلة الدبلوماسية المغربية امباركة بوعيدة، الوزيرة المنتدبة لدى وزير الخارجية والتعاون بالمملكة المغربية، كان في محلّه، برفضها التوقيع على النسخة الأولى للبيان الختامي الذي لم يشر إلى جهود الرباط في الوصول إلى تسوية سياسية بين الفرقاء الليبيين والاكتفاء بذكر الجزائر، مجانبا بذلك حقيقة الدور ومكانة الوساطة اللذين لعبتهما الرباط

والحقيقة التي لا بدّ من الإقرار بها كامنة في قلّة كفاءة الدبلوماسية التونسية والليبية أيضا على صياغة بيان ختامي توافقيّ قادر على تجاوز التباينات العميقة بين الجزائر والرباط، أو على الأقلّ لا يثيرها بالشكل الفجّ الذي حصل في اجتماع الخميس الفارط.

طلب ممثلة الدبلوماسية المغربية لاجتماع ثنائي مع وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي على هامش الاجتماع، تم تحت الأضواء الكاشفة للمصورين، يعكس لا فقط قلّة تنسيق مغاربيّ في حدوده الدنيا، ولكن أيضا يكشف الضبابية والارتجال الحاكمين للعمل الإقليمي المغاربي.

واضح أنّ التباين بين الجزائر والمغرب حول الصحراء المغربية صار أكبر من اجتماعات الهياكل الإقليمية المغاربية والعربية والأفريقية، ذلك أنّ السجال المغربي الجزائري بات سجالا دوليا بين أعضاء مجلس الأمن الدولي، حيث لعبت باريس دورا إيجابيا لصالح تعديل مسودّة قرار أميركي منحاز للمطالب الانفصالية للصحراويين. وما كان للرباط أن تحقق مكسبا دبلوماسيا في المسألة الصحراوية لولا الدعم الخليجي الذي أمنه المغرب خلال الزيارات الأخيرة للملك محمد السادس لعواصم التعاون الخليجي.

تحولت الصحراء المغربية من قضيّة تستوجب الحلّ السريع أو التحييد الإيجابي دون انعكاس سلبي على عمل الاتحاد المغاربي، إلى معضلة في المنطقة المغاربية تجيّر الموارد المالية والأدوات اللوجستية والدبلوماسية الناعمة من المغرب تارة والجزائر أخرى، لإقرار المقاربة ولتكريس الموقف والرأي حيال القضية، فيما كان من الأولى والأجدى أن تستثمر ذات المقدرات وتوظّف عين المقوّمات لصالح ملفات التنمية المحليّة ودفعا للتعاون المشترك المعطّل على كافة الأصعدة. فلو أنفق نصف ما أنفق على مأسسة وتأبيد أزمة الصحراء لتمت تسويتها ولباتت الصحراء جزءا من المدينة وموصولة بالمدنيّة بعيدا عن مخيّمات اللجوء وبمنأى عن اللجوء السياسيّ في المخيّمات.

ولئن أبدى الوزير الأوّل الجزائري عبدالمالك سلال مؤخرا استياءه من دعوات الناشطين الأمازيغ بمنطقة القبايل إلى الانفصال وتأسيس الكيان الأمازيغي في المنطقة الشرقيّة، فمن حقّ الرباط أيضا أن تدافع عن نفس مبادئ سيادة الدولة، ذلك أنّ الهويّات الجزئيّة الانفصاليّة لا تقبل التجزئة ولا ترضى التوظيف الشرطي والانتقائي والاستدعائيّ من قبل الفاعل الرسميّ.

مرّة ثانية نؤكد بأنّ اجتماعات وزراء دول المغرب العربي دون اتخاذ إجراءات ثقة متبادلة أو تنقية الأجواء المحتقنة أصلا، ستزيد من حدّة الهوة القائمة بين دوله ولن تؤدي في المحصلة سوى إلى تأبيد النزاع بما يحمله مفهوم “تأبيد المحنة” من استهداف للأمن الوطني والمغاربي واستنزاف لمقومات الدول الأعضاء.

المفارقة أنّه في ظلّ انحسار العمل التشاركي المغاربي بين الدول المتصالحة مع التاريخ والجغرافيا، تزيد الكيانات الهجينة في الامتداد والانتشار جغرافيا ودبلوماسيا، فـ”الكيان الداعشي” يستعد لاحتلال مصراتة، والكيان الأمازيغي يزيد من عمله القاعدي للتبلور مؤسساتيا في ليبيا ومطلبيا في الجزائر، والكيان القبائلي بات فاعلا بل ومرجعيا في الأزمة الليبية، فيما يستثمر الكيان الصحراوي من وضع الاستقطاب الحاصل اليوم بين الإخوة الفرقاء سعيا لاستنساخ نموذج جنوب السودان.

يحق للطيب البكوش الأمين العام الجديد لاتحاد المغرب العربي أن يقلق حيال التركة التي ورثها من الحبيب بن يحيى، لا فقط لأنّ أفق التعاون المشترك معدوم وليس أيضا لأننا نعيش مرحلة اللامغرب العربي منذ 1994، بل أيضا لأنّ كيانات هجينة تُستولد من رحم الاختلاف وتستثمر التشرذم لتأسيس أشباه دول.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر