السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

الرواية والأنثى

في ما مضى كان الجسد الأنثوي وموضوع العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة في الرواية، يحضران للدلالة على تهتك الشخصية الذكورية، أو الضياع أو الفتنة الطاغية للأنثى.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/05/10، العدد: 10271، ص(15)]

مع ظهور التجارب الروائية الشابة في نهاية الثمانينات الماضية، وتراجع حضور الأيديولوجيا فيها، ظهر ما يمكن اعتباره وعيا روائيا جديدا، يمتاز بحساسيته المغايرة، في علاقته بالواقع، وبجرأته في مقاربة المسكوت عنه وكشفه، ولا سيما في ما يتعلق بموضوع الجسد والجنس. لقد كانت هذه المقاربة من أهم علامات التحول في الوعي الروائي الجديد، نظرا لطبيعته الإشكالية، في مجتمع محافظ مازال يختزل وجود المرأة وقيمتها فيه.

في ما مضى كان الجسد الأنثوي وموضوع العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة في الرواية، يحضران للدلالة على تهتك الشخصية الذكورية، أو الضياع أو الفتنة الطاغية للأنثى، وغالبا ما كان يتم تقديم المرأة من خلال شخصيات الرجل البطل أو السارد، دون أن يكون لها حضور خاص بها تعبر فيه عن ذاتها وهويتها الأنثوية. لذلك فإن أهمية هذا التحول تتبدى في أنه نقل المرأة من الهامش إلى المركز كوجود وذات مكتملة الحضور، والتعبير عن علاقتها بالعالم الذي تعيش فيه.

ترافق هذا التطور في التجربة، مع وعي فكري وجمالي جعل المرأة تستحوذ على بطولة العمل الروائي، بوصفها شخصية تجسد أشكالا من الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي، تكشفت معه علاقات الواقع، وفي مقدمتها العلاقات التي تخص تجربتها وتؤثر فيها، وتمنحها هذه الصورة الدالة على معاناة وجودها المركبة، بعد أن توهمت أن شراكتها للرجل في النضال السياسي والوطني، من أجل الحرية وتغيير الواقع، كفيلة بتحقيق الحرية والمساواة لها.

في هذا السياق من العلاقة المحكومة بسقف منخفض من الوعي الذكوري، كان الجسد يتمظهر في هذه الأعمال، باعتباره المجال الأكثر تعبيرا عن الظلم والاستغلال الذي يمارس بحق المرأة، حيث يتم اختزال وجودها فيه، ويتحول إلى ميدان صراع مع الرجل على ملكيته، تختلط فيه صفات التبجيل والتدنيس في آن معا. لذلك تأتي كتابة المرأة عن هذا الموضوع محاولة لاستعادة قيمته المغيبة، والتعبير عن حالة القهر والامتهان التي تعيشها، من خلال تعرية النفاق الذكوري على هذا المستوى.

رغم هذا يقبل الرجل على قراءة هذه الأعمال ممتدحا جرأة المرأة الكاتبة في استجلاء غموض هذا العالم، ولكن ليس بسبب قيمتها الجمالية، ومحاولتها إضفاء قيمة أنثوية على هذا العالم، ولكن لكي يتمتع بسحر التلصص على جسدها وأسرار عالمه المثير، ما جعل هذا الامتداح امتدادا لوعي ذكوري، لم يتحرر بعد من نظرته التقليدية إلى جسد المرأة، ولم يستطع أن يرى المرأة كوجود إنساني متكامل، خارج هذا الإطار، الذي مازال يعمل على تكميمه، بينما يستمتع بانكشاف سحره وخفاياه، باعتباره موضوع رغبة وإثارة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر