الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

السلطة في العراق.. لا تحتمل القسمة

مشكلة الحكم في العراق أنه عجن بعجينة المحاصصة ولا يمكن إصلاحه، لأن جميع منظوماته تعتمد على تلك العجينة، ولا توجد رغبة في استبدالها لأنها تنهي جميع المزايا ومكاسب النفوذ وإمبراطورية الفساد التي أنهكت هذا البلد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/05/10، العدد: 10271، ص(8)]

بعيدا عن الغرق في تفصيلات ما يحصل هذه الأيام من فصول مأزق الأحزاب الحاكمة لا بد من العودة قليلا إلى المرتكزات التي قامت عليها العملية السياسية، لأن ذلك يساعد على فهم الواقع الحالي للعراق رغم أن بسطاء العراقيين يتقنون فهم ذلك أكثر من أنصاف السياسيين الذين يقودون العراق الآن.

السبب الأول في ما يحصل هو أن جوهر النظام السياسي الذي صنعه الاحتلال العسكري الأميركي قام على المحاصصة الطائفية فاختار الحاكم بول بريمر مجموعة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، بتوصيات من رئيسه جورج بوش وقوى اليمين المتطرف، ودخلت تلك الأحزاب في تحالف إستراتيجي مع الأكراد الممتلكين لعلاقات استراتيجية قديمة مع الأميركان، وغيرهم من قوى النفوذ في الشرق الأوسط تمتد لزمن الراحل مصطفى البرزاني، ولعل الكثير ممن دخلوا العملية السياسية استفادوا من المحاصصة لأنها تقدم المكاسب جاهزة لمجرد الانتماء أو الولاء الطائفي، خصوصا من العرب السنة الذين دخلوا السياسة بالصدفة وتاجروا باضطهاد ملّتهم من قبل الاحتلال والميليشيات.

السياسيون الشيعة سوقوا، بدعم أميركي وإيراني، نظرية الحكم الطائفي بعد أن زوروا تاريخ السلطة العربية الإسلامية وأوحوا للبسطاء بأن السنة حكموا لأكثر من ألف وأربعمئة عام انتهت في العراق عام 2003، ولهذا فإنهم استردوا مشروعية الحكم للحاضر والمستقبل بعد أن منحهم إياه الأميركان في أخطر منعطف سياسي تسيّد خلاله البيت الأبيض مجموعة من المتعصبين الموالين لإسرائيل.

منحة الحكم الأميركية هذه فاجأت الإيرانيين وأذهلتهم لأن إدارة بوش الأب سبق أن منعت الجيش الإيراني من التدفق داخل الأراضي العراقية جنوبي العراق وإسقاط نظام صدام حسين وقت حصول انهيار منظومات الحكم والقيادة خلال معارك حرب تحرير الكويت من غزوة صدام عام 1991. نعم إيران لم تكن تتوقع أن واشنطن وفرت لها الوقت والجهد لكونها تعلم بأن فرص إسقاطها للنظام في العراق ضعيفة بسبب ما صنعه صدام من منظومات عسكرية واستخبارية وأمنية هائلة، وحزام مليوني من أنصار حزب البعث ومؤيديه ومريديه غالبيتهم من الطائفة الشيعية، وبعضهم اليوم بين المتظاهرين من أنصار الصدر، أو يتبوأون مراكز عسكرية وأمنية متقدمة في الحكم بعد أن أعلنوا تنصلهم من البعث وانضموا إلى حزب الدعوة أو إلى التجمعات الشيعية الأخرى كالتيار الصدري أو مجلس الحكيم.

وكانت إيران تعلم كذلك بأن كلا من حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى غير قادرين على إسقاط حكم صدام حتى من خلال الدعم الإيراني نفسه، وقد جرت محاولات عدة خلال أعوام الحرب العراقية الإيرانية لكنها فشلت.

وقد لعب رافع راية “الليبرالية السياسية المزيفة” الراحل أحمد الجلبي دورا مهما خلال فترة الإعداد للاجتياح العسكري الأميركي أواخر عام 2002، بعد أن وجدت أميركا أنها لا يمكن أن تحتل العراق من دون عراقيين يناصرونها، فقام الجلبي بترويض وترويج قيادات حزب الدعوة والحكيم لقبولهم عند الأميركان، رغم الاجتهادات داخل حزب الدعوة في كيفية تمرير “الخجل العقائدي” للقبول بالصفقة التاريخية الأميركية.

ولعل إبراهيم الجعفري، مسؤول حزب الدعوة العلني في لندن قبيل عام 2003، لعب دورا مهما في ترويج الصفقة الأميركية ومناصرتها، وعمل على إقناع بعض العقائديين بقبول الأميركان الواعدين عليهم بالمغانم وأهمها مغنم السلطة الذي تحقق لهم دفعة واحدة وتسليم “باليد” كما يقولون.

ولهذا لم يعد قادة الأحزاب الشيعية محتاجين لإرهاق أنفسهم بالعمل من خلال السلطة لتحقيق رضى الناس وسيادة العدالة ورفع الظلم عنهم، وبذل الجهد في التوعية والإرشاد التي كانت شاغلهم قبل عام 2003، ووجدوا أن مهمتهم الأولى هي تنظيف الطرقات والأزقة والشوارع ومكاتب الحكومة والمؤسسات الحكومية العامة من البعثيين والعرب السنة لأنهم إرهابيون ومن ثم داعشيون، وقنن الأميركان لهم ما يساعدهم على تحقيق هذه الأغراض.

لقد اختفت الأيديولوجيات والمشاريع، وابتلعت السلطة الصغار والكبار ولهذا ساد الإرباك والفوضى السياسية منذ تشكيل مجلس الحكم، الوحدة السياسية الأولى للحكم الجديد، الذي بني عبر مجموعة من المعارف والأصدقاء من داخل المؤسسة الشيعية وما يحيطها، لملمت بطريقة ساذجة بعيدة عن السياسة.

روى لي أحد الأصدقاء من داخل مجلس الحكم السابق أن شخصا نافذا من القادة الجدد كان يبحث عن عضو لمجلس الحكم وعرض عليه المنصب، وهو لا علاقة له بالسياسة وتم الاتصال به فقط من أجل استكمال الأعداد.

وكان المستشارون الأميركان هم الذين يقودون مرافق التشكيل الجديد لدويلة “طائفية” انتزعت منها جميع مقومات وعناصر الدولة الوطنية، وكان حل الجيش العراقي الوطني المطلب الإيراني الأول الذي مرر عبر مواليها في الحكم الجديد، وذلك بدافع الثأر من حرب الثماني سنوات، وهو قرار غذى دوافع اليمين الأميركي وخدم إسرائيل التي أرادت أن ترى هذه النهاية التراجيدية للجيش العراقي الذي أخافها لعقود.

استجاب الحاكم العسكري بريمر لتلك الرغبة حسب مذكراته، مع أن السفير الأميركي السابق زلماي خليل زادة قال أخيرا بأن بريمر لم يخبر البيت الأبيض بذلك القرار، ولقد كذب زادة لأن أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني للمعارضة العراقية كان قد قال لنا في لندن أواخر عام 2002 بأن قرار اجتثاث البعث وحل الجيش اتخذ في البيت الأبيض والبنتاغون الذي قاد عمليات الاحتلال. حقق هذا القرار اللعين الرغبة الأميركية بفتح حدود العراق وإشاعة حالة الفوضى الأمنية وسيادة الميليشيات وصرف المليارات على بناء جيش مخنث ليس لحماية الوطن وحدوده وإنما كقوات درك ومكافحة إرهاب حسب النظريات العسكرية الأميركية المستقاة من تجارب الحروب في أميركا اللاتينية، لم يتمكن حتى من صد مجموعات إرهابية متسللة من الحدود السورية “داعش”، كما أن مسعود البرزاني رفض بناء جيش عراقي قوي يذكره بجيش صدام رغم أنه حماه عام 1996 عندما دخلت قواته أربيل وأنقذته من نهاية محققة على يد جلال الطالباني.

غياب الجيش العراقي الوطني يؤكد أن الحكام الشيعة ومؤازريهم من السنة يعرفون عدم قدرتهم السياسية على قيادة البلاد، وقيل لهم أو سمعوا قصص تدخل الجيوش حينما تتعرض البلدان إلى المحن والكوارث أو الفراغ السياسي.

ورغم مرور ثلاثة عشر عاما على الحكم الطائفي إلا أن ساسته غير قادرين على إدارة الأزمات التي مر بها العراق، لأنهم انبهروا بالسلطة وهم جياع مال وجاه، فغرقوا في تفصيلات الامتيازات الحزبية ونسوا الجماهير التي أوصلتهم مع أن هذا التوصيف يسنده توصيف أكثر دقة هو “المال السياسي والتزوير الفاضح للانتخابات”، ولأن بناء النظام السياسي لم يقم على المواطنة والوطن، والسعي لبناء الدولة المدنية الجديدة، كما أن دستوره فتح الأبواب أمام الصراعات الاثنية والطائفية، فعلى سبيل المثال تم إقرار الأقاليم مراعاة لإقليم كردستان المفروض على بغداد قبل عام 2003، لكنهم يرفضونه حين تطالب به المحافظات العربية السنية، كما حدد الدستور هوية العراق بالمكونات لا تمييز طائفيا أو عرقيا يمزقه كما هو حاله اليوم.

إن مشكلة الحكم في العراق تكمن في أنه عجن بعجينة المحاصصة، ولا يمكن إصلاحه، لأن جميع منظوماته تعتمد على تلك العجينة، ولا توجد رغبة في استبدالها لأنها تنهي جميع المزايا ومكاسب النفوذ وإمبراطورية الفساد التي أنهكت هذا البلد، ولا يصلح الحال إلا بالتغيير الشامل، فجزئيات منظومات العمل تعتمد الواحدة على الأخرى، وهي قائمة على هذه الكيمياء الغريبة.

اللعبة في العراق غريبة عن تقاليد السياسات العامة، هي قطعة واحدة ولا تتحمل التجزئة والقسمة، إما أن تكون أو لا تكون.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر