الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

إعلامية لكنها ليست صحافية

لاشك أن المهن والتخصصات الصحافية المتفق عليها محليا وعالميا ستكون كافية إن طبقت مسطرتها على أي “إعلامية” لتكشف حقيقة ذلك الكولاج الغرائبي في الحياة الصحافية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/05/10، العدد: 10271، ص(18)]

عندما تنتشر الفوضى في السياسة والحياة ستنسحب تلك الفوضى بلا أدنى شك على عالم الصحافة، ويقع ذلك الخلط في المصطلحات وتتداخل المفاهيم حتى تحتاج إلى إعادة اشتقاق الكلمات والتوصيفات في شكلها الصحيح.

في العراق مثلا، هنالك كثر من هذه الظواهر المشوشة، لقد صار من لم يكن سياسيا أصلا وقذفته أمواج المحاصصة الطائفية إلى أمواج بحار السياسة المتلاطمة، غير مطلوب منه سوى الظهور على الشاشات وشتم خصوم حزبه وكتلته وركوب السيارات المصفحة ضد الرصاص حتى تحول ذلك إلى ظاهرة.

في المقابل ظهر من لا علاقة لهم وثيقة بعالم الصحافة، موهبة ودراسة، لكنهم وجدوا في هذا الميدان ضالتهم ومن بين ذلك ما صرنا نسمع عنه تحت توصيف (إعلاميات) فلا هنّ صحافيات ولا هن متخصصات بالإعلامية informatics، حيث يشيع هذا المصطلح الأخير في البلدان المغاربية خاصة للدلالة على العمل في مجال الكومبيوتر وشبكة الإنترنت والبرمجيات المرتبطة بها.

ولو تعمقت في الظاهرة ستجد أمامك حشدا ممن يطلق عليهن إعلاميات حتى تصاب بالدهشة أن هذا المصطلح صار في نظرهن يُعدّ أرفع من مصطلح صحافيات وأكثر “برستيج” في المجتمع، فأن تقول إنا إعلامية أرقى مما تقول أنا صحافية، بحسب رأيها، هذا ما سمعته من أكثر من “إعلامية” في موضة مصطلحات تقترب من السريالية، هكذا انقلبت المفاهيم وصارت الصحافة وعلمها وفنها وصناعتها وإبداعها لا شيء أمام موجة “الإعلامية” المنطمسة ما بين التكنولوجيا الاتصالية الحديثة والعمل الصحافي.

في المقابل ما يؤكد أن تلك الإعلامية هي حقا ليست صحافية ولا تمت لعالم الصحافة بصلة، أنها غير منتجة للخطاب الصحافي وربما غير قادرة على المضي في ذلك المعترك القائم على المنافسة والجودة والابتكار والرؤية والاجتهاد الواسع رغم أن صحافة “القص واللصق” التي أتاحها الإنترنت تسببت في خلخلة أخرى للمفاهيم من خلال تقديم أعداد غفيرة من تلك الفصيلة ممن يطلقون على أنفسهم صفة صحافي.

الإعلامية المتباهية بتلك الصفة تجد نفسها في حال لا تحسد عليه وهي غير قادرة على صياغة خبر بشكل صحيح ناهيك عن كتابة مقال أو إنجاز ريبورتاج أو تغطية صحافية، ولهذا ستصرخ مباشرة “هذا ليس عملي.. إنني إعلامية ولست صحافية عادية”، أليست مفارقة أن العمل الصحافي صارت تولد من داخله هذه الفوضى التي اختلط فيها الحابل بالنابل؟

لاشك أن المهن والتخصصات الصحافية المتفق عليها محليا وعالميا ستكون كافية إن طبقت مسطرتها على أي “إعلامية” لتكشف حقيقة ذلك الكولاج الغرائبي في الحياة الصحافية، ولكن الكل ينأى بنفسه عن تلك المسطرة مطلقا العنان للظهور والبريق الإعلامي ليعلو على كل شيء، فمقدمة البرامج هي إعلامية، والتي تمسك المايكروفون على هامش الندوات والمؤتمرات طالبة من المشاركين جملة واحدة “هلا حدثتنا عن مشاركتك في المؤتمر”، هذه هي الأخرى إعلامية.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر