الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

مملكة النساء يقتحمها الرجال

كان الأجدى بي بدلا من التوتر وإملاء الأوامر، التعبير عن الامتنان والشكر، لأن عدم خبرة زوجي في إعداد طبق ما لا يجب أن يجعلني أثنيه عن التجربة وأنفره من المطبخ.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/05/13، العدد: 10274، ص(21)]

في ثقافتنا العربية يقال إن "المطبخ مملكة للنساء"، على الرغم من أنه لا يشبه الممالك في شيء، والمرأة فيه لا تتربع على عرش ولا تأمر ولا تنهى، بقدرما تقضي ساعات طويلة ومضنية في دور ربة البيت الذي فرضته عليها سلطة العادات والتقاليد منذ الصغر، وترسخ في ذهنها على أنه فرض عليها ولا مناص من القيام به حتى ولو كانت عائدة لتوها من يوم عمل شاق.

ولكن إذا صادف أن دخله زوجها فإنها تجد الفرصة سانحة لممارسة سيادتها المطلقة عليه، فتحاول جاهدة أن تفرض كلمتها العليا على جميع تحركاته وخطواته، وهي لا تعلم أنها بذلك تنفره من مساعدتها في محنتها التي تشتكي منها طوال الوقت وتتبرّم.

والحقيقة أن زوجي من الرجال المهتمين بفن الطبخ على خلاف الكثيرين من أبناء جنسه الذين مازالوا يعتقدون أن الطبخ حكر على النساء، ولا يستسيغون دخوله خوفا من أن تهدر رجولتهم أو يفقدون شيئا من هيبتهم أمام زوجاتهم.

ويروق لزوجي في نهاية كل أسبوع الاستمتاع بطبخ ما تعلمه في حياة العزوبية من وصفات تحمل خلفيات معلوماتية وثقافية مختلفة، استقاها من التلفزيون ومن الانترنت ومن بلدان عاش فيها لفترات من الزمن، وأخرى تعلمها بدافع رغبته في اكتشاف وتجريب أطباق أغراه شكلها أو طعمها، وأيضا من أجل تعويد نفسه على الطبخ الذي يعتبره "سلوكا صحيا"، ويجب ممارسته من حين لآخر متى كانت الفرصة سانحة.

وعلى الرغم من أنني من النساء اللواتي تعجبهن مشاركة أزواجهن لهن في إعداد الطعام ويروق لهن الاستمتاع بعشاء فاخر من صنع أياديهم، إلا أني في نهاية الأسبوع الماضي وجهت نقدا لاذعا لزوجي حول طريقة طبخه لإحدى الأكلات التونسية وتفاخرت بخبرتي الكبيرة في إعدادها، وقلت وافترضت على مرأى ومسمع منه أن الأمر سينتهي بنا إلى طلب عشاء جاهز من أقرب مطعم، ولست أدري لماذا بدر مني ذلك، ولكن الأكيد أنه من باب الاعتداد بطبخي الذي جعلني لا أتفطن لما صدر مني من أقوال.

وهذا أمر طبيعي في دروب الحياة الزوجية، حيث لا يوجد بديل عن غريزة حب الظهور في أبهى صورة أمام الشريك، ووجود لمسة من الاعتداد بالنفس ليس أمرا سيئا، ولكن التواضع ورحابة الصدر يجعلاننا نكسب ود واحترام الشريك، وهذا أساس العلاقات القوية والمتينة.

ولذلك فبمجرد أن شعرت بداخلي بإشارات تحذيرية تخبرني بأنني على خطأ، حولت الذم إلى مدح وثناء، حتى أغطي على زلات لساني.

كان الأجدى بي بدلا من التوتر وإملاء الأوامر، التعبير عن الامتنان والشكر، لأن عدم خبرة زوجي في إعداد طبق ما لا يجب أن يجعلني أثنيه عن التجربة وأنفره من المطبخ.

والحيلة لا تكمن في الجدال من أجل إرضاء الغرور، بل في انتقائنا نحن النساء للألفاظ التي تحررنا من المطبخ، وتفتح المجال لأولئك الرجال الذين يجهلون أسرار الطهو وخباياه، ولا يعرفون كم من الوقت استغرق تحضير الأطباق التي يحبونها ولا يجيدون غير أكلها، لتجربة متعة الطبخ علّهم يغيرون معتقداتهم التي عفا عليها الزمن، وخاصة نظرتهم النمطية لأدوار المرأة.

وقد أثبتت الدراسات الاستقصائية أن الرجل العصري يقدّر في المرأة رجاحة عقلها وثقافتها وتعليمها أكثر من مظهرها الخارجي أو مهاراتها في المطبخ، ورغم ذلك فالسائد اليوم أن النساء مازلن يقمن بمعظم أعمال الطهو والتنظيف والعناية بالأطفال، فيما ينظر الرجال إلى الطبخ على أنه هواية عرضية ويميل أغلبهم، وخاصة في المجتمعات العربية، إلى إنهاء العلاقة الزوجية إذا طلبت منهم زوجاتهم مساعدتهم في الأعمال المنزلية.

ولكن مهما يكن من أمر، ليس الزواج سوى سفينة واحدة تقل المرأة والرجل، والشراكة في الأعمال المنزلية هي أساس النجاح والاستقرار الأسري.

ولقد كان عالم الاجتماع الأميركي سكوت كولتران على حق حينما قال إنه كلما شارك الرجال في الأعمال المنزلية جعلوا حياتهم الزوجية أكثر سعادة.

كاتبة من تونس مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر