الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

كوزا نوسترا

بعض العائلات المتخصصة تخصّصت بالخروج على القانون لا لأسباب جينية وراثية، بل لأن مؤسسيها اكتشفوا أن القانون غير نافع، ولا يعينهم على الكسب وحيازة المكانة الاجتماعية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/05/13، العدد: 10274، ص(24)]

العائلات المتخصصة ليست حكرا على شعب من شعوب الأرض. خبرتها وعرفتها المجتمعات في العالم كله. فهذه عائلة سياسية وتلك عائلة طبية وأخرى صحافية. يورّث الجد لابنه “الصنعة” ثم ينقلها الابن إلى الحفيد وهكذا.

بعض العائلات المتخصصة تخصّصت بالخروج على القانون. لا لأسباب جينية وراثية، بل لأن مؤسسيها اكتشفوا أن القانون غير نافع، ولا يعينهم على الكسب وحيازة المكانة الاجتماعية. لذلك تميز بعضها بالإجرام كابرا عن كابر. مثل الكوزا نوسترا التي تعرف عالميا بالمافيا الإيطالية الصقلّية. ولو شاءت الأيام أن يخرج من أصلابها إنسان مستقيم، تشعر العائلة بالقلق من سلوكه هذا، وتعتبره نشازا عن النغم الأصيل في السلالة.

كان من أشهر هؤلاء توتو رينا، زعيم زعماء المافيا الذي عاش سنوات حياته الأولى طفلا مجرما يتيما مسكينا بعد أن خسر والده، أثناء محاولته البريئة سرقة البارود من القنابل الأميركية التي لم تنفجر في الحرب، بغرض بيعه في السوق السوداء.

وفي عالمنا العربي تجذرت عائلة كبيرة، لا يجمعها دم أو قرابة، قررت أن تخوض بآرائها في الشأن العام والسياسة والدين والإعلام والسوسيولوجيا والتاريخ والمستقبليات، مختارة التميّز بالخروج على العقل، والتخصص بالحُمق وقلة القيمة. ينطبق عليها قول عظيم للمثقف المصري عبدالعزيز باشا فهمى.

فهمي باشا هذا لم يكن مجرد قاضٍ، فقد عرف بأنه أول من اشتق اسم “النقض” ليطلقه على تلك المحكمة التي تراجع الأحكام، مشتقا ذلك مما ورد في الآية الكريمة “ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا”. لكن الأهم من هذا، هو موقفه من قضية علي عبدالرازق الذي لم يبق في مصر مسؤول أو سياسي إلا وسارع إلى تكفيره، حتى الزعيم الثائر سعد زغلول، بعد أن أصدر عبدالرازق كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” داعيا إلى فصل الدين عن الدولة. رفعوا اسمه إلى وزير الحقاّنية (العدل) كي يحاسبه و”ينزع منه شهادة العالمية ويطرده من كل وظيفة لعدم أهليته للقيام بأي وظيفة دينية أو مدنية”.

لكن الوزير، الذي كان حينها عبدالعزيز باشا فهمي ذاته، رفض. حتى حين وصله خطاب من هيئة كبار العلماء وشيخ الأزهر يطالبه بهذا. رد الوزير الشجاع خطيا “أحضرت هذا الكتاب وقرأته مرة أخرى، فلم أجد فيه أدنى فكرة يؤاخذ عليها مؤلفه. لقد ثَقُلَ على ذمّتي أن أنفّذ هذا الحكم”.

ذات مرة انتقد فهمي باشا أحد رخويات زمنه فقال عنه “لمّا شالوه إنشال، ولما حطّوه انحَطْ”، فحفرت تلك العبارة في الوعي. وبدلا عن آل بروفينزانو وآل كورليوني وآل كامورا وغيرها من العائلات المافيوزية التي كانت ترتبط بميثاق شرف، يسمى “أوميرتي” أو “ميثاق الصمت”، نعيش اليوم في عصر آل “شالوه فانشالْ، حطّوه فانحَطْ”. الذي ينحطّ بالعقل إلى درك الظلام وهو يظنّه النور، وينحطّ معه من يؤيدون تلك الفلسفة في التفكير والعمل ملتزمين التزاما تاما بـ”ميثاق الجهل”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر