السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

دمشق والظرفاء والجوز والخراب

ذهب المؤرخون من الباحثين الدمشقيين إلى تأصيل السخرية والظرافة في التراث العربي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/11/10، العدد: 9375، ص(24)]

رغم ابتلاء الزمان للشام وأهلها بالتضييق والانقلابات والأوضاع الصعبة، إلا أننا لم نسمع بتعبير ظرفاء القاهرة، أو ظرفاء بيروت، أو ظرفاء الدار البيضاء، ولكن كثيرا ما سمعنا عن "ظرفاء الشام" وصدرت كتب كثيرة للباحثين تناقش هذه الظاهرة التي رصدت استمرار روح التهكم والسخرية من الواقع العام في سوريا.

وقد ذهب المؤرخون من الباحثين الدمشقيين إلى تأصيل السخرية والظرافة في التراث العربي، متخذين من إثبات الزمخشري في "أساس البلاغة" عن الخليفة عمر بن الخطاب أنه "إذا كان اللص ظريفا لم يُقطعْ" أي كيّسا يدرأ الحدَّ باحتجاجه، ووصف الكاتب الراحل عبد الغني العطري في كتابه "دفاع عن الضحك" أهل دمشق، بأنهم يعشقون "النكتة" ويلتفون حول من يتقنها ويولمون له الولائم السخية، وكان منهم "فخري البارودي" وكان بيته القديم في حي القنوات ملتقى رجال السياسة والأدب والثقافة والفن، ومن ظرفاء الشام أيضا كان الأستاذ سعيد الجزائري الذي عاصر كثيرين من رجال السياسة والأدب والفن، وكان بعضهم الآخر يتحاشاه خوفا من لسانه ومنهم سعد الله الجابري رئيس الوزراء، ومنهم المحامي نجاة قصاب حسن الذي كان محاميا ورساما وخطاطا وموسيقيا عالما بالموسيقى وعازفا على العود، والذي لا يعرفه كثيرون أن قصاب حسن، هو من قام بجمع أغاني التراث الموسيقي من الأرياف السورية وتسجيلهت وتسليمها لأصدقائه الثلاثة عاصي ومنصور الرحباني وفيروز، فغنى منها الرحابنة الكثير، ومن عاش في دمشق يعرف أن تلك النبرة الساخرة، لم تكن إلا إحدى انعكاسات التمدّن والحضارة، فكيف يمكن أن يقاوم الضغط الشديد في تفاصيل الحياة، إن لم يتم عزل الشخصية النفسية بعيدا عن الانفعالات والتوتر الدائم؟

أما إن سألتني من أكثر أهل دمشق ظرافة؟ فسأقول لك، شخصيا، إنه للمفارقة "الغراب الدمشقي" الذي يسميه أهل الغوطة بالـ"قاق" وله على الناس فضل كبير بسبب خفة دمه وذكائه وخدماته التي يقدّمها للفلاحين، فإذا زرت غوطة دمشق، قبل كيماوي بشار الأسد، فسيضيّفك أهلها من ثمارها الطيبة، ومن تلك الثمار سلة من الجوز الدمشقي لذيذ الطعم، وسيقول لك الفلاحون إنه من "جوزة القاق" أي من شجرة القاق، أما لماذا؟ فذلك لأن القاق لص ظريف، يقوم بانتقاء أفضل وأطيب أنواع ثمار الجوز وسرقتها من بيوت الفلاحين وشبابيكهم، ولكنه إضافة إلى لصوصيته، بخيل جدا ولذلك يقوم بإخفاء ثمرة الجوز عن رفاقه وفراخه، بدفنها في تراب بساتين الغوطة، والقاق متبلى بصفة أخرى لا تقل ظرافة عن سابقاتها، فهو ضعيف الذاكرة، لذلك فإنه سينسى المكان الذي خبأ فيه ثمرة الجوز، لتنبت الثمرة وتصبح شجرة عملاقة، ينتفع بها أهل الشام وضيوفه ولم يكن زارعها إلا رمز الخراب.. الغراب.. تلك دمشق.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر