الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

المبادرة الفرنسية وعن النكسة التي تلتهم النكبة

مشكلة القضية الفلسطينية في أنها أنجبت قيادات من الإسلاميين والفتحاويين 'نكبة' على أوطانهم نعمة على أعدائهم، يعيدون اجتراح نكبات واجترار نكسات.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/05/17، العدد: 10278، ص(9)]

النكبة الفلسطينية ليست حدثا بل صيرورة سياسية وإنسانية، وليست “تأريخا” لحالة العرب في العام 1948، بل هي سياق معرفي وتفكّري شامل بات مسيطرا ومؤثرا على عمليّة التمثّل العربي للذات والآخر الإسرائيلي. والأدهى من ذلك أنّ الغرب استبطن صورة الفلسطيني المستضعف قليل الحيلة سليب القوّة، مقابل صورة الإسرائيلي الفاعل والقادر على تغيير الجغرافيا وطمس التاريخ.

وقد تكون المبادرة الفرنسية الأخيرة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، المعطلة منذ 2014، فصلا من فصول استبطان الغرب للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أنّه نزاع حدودي بين “جارين” مختلفين يقتضي وساطات دبلوماسية لإنهائه، وهو تمثل يشكل بحد ذاته استمرارا لمشهدية النكبة.

وقد تكون واحدة من أهم المفارقات المعرفية والإنسانية والتاريخية التي يعيشها العالم العربي اليوم أنّه في ظل حديثه عن نكبة احتلال أراضي 1948 أو ما يعرف بالخط الأخضر، وفي سياق إحيائه لمأساة 1948، ينصب اهتمام كافة الفاعلين الفلسطينيين والعرب والدوليين فقط على حدود حرب 5 يونيو 1967، ما يشير إلى أن النكسة التهمت النكبة.

وقد تكون أمهات المفارقات التي يعرفها العالم العربي اليوم كامنة في سعي “صنّاع نسيان القضيّة الفلسطينية” إلى تحويل فلسطينيي الخط الأخضر إلى “عرب إسرائيل”، حيث يصبحون أقلية عربية جاءت بهم الصدفة التاريخية والجغرافية إلى فلسطين المحتلة، لا اعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني أولا والأمة العربية ثانيا، يقتضي الواجب الأخلاقي والوجداني والهوياتي دعم صمودهم على أرض الأجداد والأحفاد ويحول دون انضوائهم صلب السردية الإسرائيلية عن فلسطينيي الداخل التي تبدأ من “صدفة الوجود” ولا تنتهي عند “أسرلتهم” عبر الخدمة العسكرية ومضامين التعليم.

تستبطن المبادرة الفلسطينية إصرار الفاعل الفلسطيني والعربي على النسيان وعلى تجاوز التواريخ واعتماد حرب 1967 معيارا محددا لعبارة “الأرض مقابل السلام” والتي سوقتها تل أبيب لاستدرار السلام مع دول الطوق قبل الاستغناء عنها موضوعا ومضمونا.

ولولا حقّ اللجوء الإنساني والذي يتمسّك به مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في الشتات على الرغم من كافة الإغراءات المالية واللوجيستية المقدمة، لتزحزح زمن القضية الفلسطينية من 1948 إلى 1967 على وقع مسلسل التنازلات السياسية التي يقدّمها الفاعل الفلسطيني الرسمي منذ دخوله في منطق ومنطوق اتفاقات أوسلو 1993.

كان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، التي لا يزال الكثيرون يحافظون على مفاتيحها ويحفظون أمكنتها، الرافعة الأخلاقية والمعنوية والتاريخية الوحيدة التي ضربت “معادلة الأرض مقابل السلام” في مقتل، إذ أكدت أنّ القضية ليست ثنائيّة مقايضة بين “الجغرافيا” و”الأمن”، ذلك أنّ القضية الفلسطينيّة وعاء من تاريخ وعناء إنساني قاوم النسيان وعاند “التوطين” من أجل الوطن السليب.

ولئن حذّرنا في محطات سابقة من خطورة اختزال النكبة الفلسطينية في نكبة اللجوء الفلسطيني دون تطرّق إلى قضايا الأرض المحتلة وكينونة الصراع الوجودي مع إسرائيل، فإنّ آلة النسيان العربي اليوم تفرض علينا الاعتماد على حقّ اللجوء الفلسطيني كحقّ مقدّس يحول دون ابتسار القضية الفلسطينية في نزاع حدودي عقب 1967.

المبادرة الفرنسيّة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى حقّ اللاجئين في العودة إلى ديارهم، وهو سبب جوهري ومفصلي يسمح للمفاوض الفلسطيني برفض المبادرة وبفرض هذا الحقّ التاريخي المقدّس، وهو في المقابل دافع مركزي يحرّض المفاوض الإسرائيلي على قبول الاقتراح والدفع نحو تجاوز الذاكرة والقفز على الحقوق.

المفارقة أنّه في ذكرى النكبة يقبل المفاوض الفلسطيني بالورقة الفرنسية مستبطنا مقولة إن النكسة تلتهم النكبة، فيما يرمي المفاوض الإسرائيلي الورقة على وجه الفرنسيين داعيا إياهم إلى قبول الاستيطان كأمر واقع في الضفة الغربية والقدس الشرقيّة قبل الدخول في أيّ حوار.

مشكلة القضية الفلسطينية في أنها أنجبت قيادات من الإسلاميين والفتحاويين “نكبة” على أوطانهم نعمة على أعدائهم، يعيدون اجتراح نكبات واجترار نكسات.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر