الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الأعمار بيد الله

عندما تبلغ الستين في معظم دول أوروبا يمنحونك بطاقة تتيح استخدام المواصلات العامة مجانا. وهي بطاقة تشهرها وتعرضها على الماسح الضوئي بحيث يراك الجميع تكشف عمرك.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/05/17، العدد: 10278، ص(24)]

شيء عجيب الإنسان. طموحاته وأحلامه وآماله غريبة. لم أصادف أحدا لا يريد لنفسه طول العمر، الكل يريد ان يعيش ويعيش. وبنفس المقدار لم أر أحدا يريد الشيخوخة. الإنسان يطلب ان يمتد به العمر لكنه لا يريد ان يشيخ، هذا بارادوكس أو كما يترجم خطأ “مفارقة” والأصح تناقض.

يمر الإنسان بالأعمار مثل الفصول. الطفولة أجملها، العمر الوحيد الذي يتفق على حبه الجميع. ومن حسن الحظ أن الإنسان يولد طفلا وأعتقد أن وراء ذلك مخططا. يولد الإنسان محبوبا وملاكا لكي يتعلق به أبواه ويربيانه ويصبران عليه لأعوام. كل هذا استعدادا لبلوغ الطفل مرحلة المراهقة الكريهة. يعني هناك خدعة أو لعلها نعمة تستدرجنا إلى قبول المراهق بأن يولد المولود طفلا ولا يكشف عن مراهقته إلا بعد سنين. ولو أن الأطفال يولدون مراهقين لعاد المجتمع إلى وأد البنات والأولاد أيضا.

المراهقون مخلوقات مزعجة أولا وأخيرا. يغادرون بيوتهم كل صباح وكلهم عزم وتصميم على أن يكونوا مصدر إزعاج للإنسانية جمعاء. يعينهم على بلوغ الهدف صفائح من الخشب فيها عجلات صغيرة يقفون فوقها وينطلقون بسرعة في كل الاتجاهات والناس تفر من بين أيديهم. هم مقتنعون أن العالم لا يفهمهم ويمضون في الحياة ينشرون كآبة معدية.

لا أذكر الآن كاتبا إنكليزيا قرأت له مقولة حكيمة تقول إن الإنسان لا يكون ملاكا حقيقيا ومخلوقا لا يؤذي أحدا ولا يخرب البيئة ولا يوقع الشر بالحيوان والنبات إلا في الأشهر التسعة الأولى من حياته، داخل الرحم. يقصد أن مسيرة الشر، والعياذ بالله، تبتدئ منذ لحظة الولادة.

وهناك مثل إنكليزي يقول بعد سن الأربعين يصير لكل منا الوجه الذي يستحقه. لذلك ينبغي أن لا نسبر أغوار النوايا ونحكم على وجدان الشباب. الوجه في العشرينات والثلاثينات يكون مطواعا ويمكنه اتخاذ أشكال لم يجبل عليها لذلك يكون معظم المحتالين من هذا السن. الوجه مرن ويستطيع ادعاء البراءة وصعب على من هم فوق الأربعين ادعاؤها. بعد ذلك نصل إلى الشيخوخة. وهو الموسم المنبوذ الذي لا يريده أحد. وأذكر أني قرأت عند وودهاوس وصفا لرجل رث فعلا، عجوز متهالك يقول عنه الكاتب “شكله شكل رجل عمره الحقيقي مئة عام لكنه يبدو أكبر من عمره بسبب الهموم”. والإنسان لا يرى شيخوخته بل يراها الآخرون.

عندما تبلغ الستين في معظم دول أوروبا يمنحونك بطاقة تتيح استخدام المواصلات العامة مجانا. وهي بطاقة تشهرها وتعرضها على الماسح الضوئي بحيث يراك الجميع تكشف عمرك. لا ضير من هذا لكنه مؤذ للسيدات. الواحدة منهن لا تنتمي إلى موسمها مثل بامية في الشتاء أو برتقال في الصيف.

تنفق المرأة المئات من الجنيهات شهريا لتبدو في الأربعين وهي قد تجاوزت الستين. لكنها لكي توفر جنيها واحدا، وهو أجرة ركوب الحافلة، تستخدم بطاقة العمر ليعرف كل راكب أنها تجاوزت الستين. يعني على رؤوس أربعين شاهدا تعلن أنها فوق الستين. ربما توفر الجنيه لشراء مساحيق تخفي بها عمرها.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر