الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

عاجلوهم بالثورة العراقية الكبرى

اليوم تدفع مدينة 'الصدر' وهي تسميتها بعد احتلال العراق، دما مضافا، أولا لأن أهلها كتلة فقراء، ثانيا لتوريطهم في فتنة حروب الأهل، وثالثا تسخيرهم لمشروع سياسي برداء ديني.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/18، العدد: 10279، ص(8)]

تم إنشاء مدينة “الثورة”، التي تعددت فيها التسميات على منوال “لو دامت لغيرك لما وصلت إليك”، بعد ثورة 14 يوليو 1958 وقيام النظام الجمهوري، وتداعي سلطة الإقطاع وأعرافها ومظالمها ومحاسنها، بهجرة المعدمين إلى حلم العيش في عاصمة بلادهم، وهي كما في معظم بلدان عالمنا العربي، العواصم، ترنـو إليهـا أبصـار وأفئدة الفقـراء والجياع، لأسباب منها البحث عن فرصة عمل، وتوفر خدمات ومتطلبات حياة أفضل ومدارس ومشاف وأشياء أخرى.

لم تكن بغداد مدينة مثل باريس أو نيويورك، إنما مدينة بسيطة بمقاسات العمران، لكنها تمتاز بنمط إنساني حيوي، فيها انفتاح وحريات اجتماعية ضمن حدود، ورغبة في التطور، وكسر قوالب التابوات التقليدية، ونهضة نسوية مثار حسرة في حاضرنا، وتعليم رصين ومدارس بعضها نموذجي، وجامعة خريجوها من مختلف الاختصاصات أصبحوا قدوة وبعضهم مشاهير في الطب والهندسة والعلوم والمحاماة والفنون والآداب.

انتقلت الأسر من الريف تباعا، ولصعوبة توفر السكن عمدت إلى بناء عشوائيات دون خدمات تماما في فراغات المساحات بين المناطق السكنية، ولأن معظم الوافدين ينقادون إلى تجمعاتهم العشائرية، تراصت الأكواخ الطينية بالأقارب أو الأبعدين ممن ينتمون إلى قرية أو نسب أو تفرعات لأصول واحدة.

شكلت تلك الحالة عبئا على الدولة الناشئة بنظـامها الجمهـوري الجديد، وإساءة بالغة لجمالية وإنسانية العاصمة بغداد، لأن مظاهر الفقر وتردي الواقع الصحي والحياتي والخدماتي لا يمكن إخفاؤها، وصارت مرتعا للهاربين من وجه العدالة لصعوبة ضبط أمنها أو دلالاتها المعلـوماتية، وبدلا مـن تشجيعهم على العـودة إلى مناطقهم الأصلية وتوفير حياة كريمة لهم بتحسين القرى والقصبات بوسائل تقترب مـن حماسـة الثورات الزراعية المعـروفة في العالم، أقدمت الحكـومة على بناء مجمعات سكنية قليلة التكلفة، وُزّعت بأسعار رمزية وبعضها تم تقسيطه.

اختير لهذه المجمعات البديلة مكان يبتعد عن مركز العاصمة وتكاد لا تراه بالعين لأنه خارج أفقها، كان مكسبا سياسيا حينها لأن الثورة التفتت إلى هؤلاء الفقراء وكانوا أبناء أوفياء لمن أنقذهم.

يُذكر أن الثورة أصدرت قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 وكالعادة اصطدم القانون بتطبيقاته على الأرض وجُوبه بحرب شرسة من مُلاك الأراضي المتنفذين، وخسر المئات من الفلاحين أراوحهم من الذين تشبثوا بحقوقهم المستجدة.

تكونت مدينة الفقراء من قطاعات مختلفة عمرانية، تفاوتت في مساحات وتصاميم دورها، ومع مرور الأعوام اتخذت أحياؤها وفروعها أسماء تجمعاتها العشائرية أو القومية كما في حي تجمّعت فيه الأصول الكردية، رغم أن المناطق معنونة بالأرقام، وظلت المدينة تعاني من تصميمها الأساس، مع أنها شهدت عمليات تطوير أكثر من مرة، لكن من عاش أو زار بعض أحيائها، اكتشف حتما، تدني مستوى العيش في بيوت بعضها يغوص في الأرض ورأس الإنسان يعلو قريبا من سطحه.

بعد التـوسع والتمـدد العمـراني والسكـاني لمدينة بغداد اقتربت مدينة “الثورة” واتصلت، لكنها حافظت على عزلتها ونمط حياتها واهتماماتها بطابعها الريفي، ومع الزمـن التحق الأبناء بفعاليات عاصمتهم وكبـروا ليتابعـوا دراساتهم الجامعية ويخوضوا في الحيـاة العامة وأنشطتها، وغادرها كثيرون ممن تحسنت مواردهم الاقتصـادية أو المعرفية والعلمية، لكن السواد الأعظـم مـن أهلهـا عـانى، ومازال، من صعوبـة الحصول على فرص عمل حقيقية تضمن لهم ولعوائلهم حياة كريمة.

خضعت مدينة “الثورة” إلى نقاشات ودراسات خاصة في سنوات السبعينات لغرض دمج أُسرها في أحياء أخرى، ليتم تقليل الفجوات الثقافية والفكرية، لكن الأعداد كانت كبيرة وازدادت نسب نموها السكاني، فالإنجاب يتناسب طرديا مع الفقر ومع أسفنا أيضا.

كثيرون منهم انتموا إلى الأحزاب السياسية ومنهم من كافح ليتخلص من انحداره الطبقي المعدم ونجح آخرون لدوافع مماثلة، لكن الأعم، وهذا طبيعي، يخضع إلى سلطة دينية ومرجعيات متعددة تقوده فكريا ويؤمن بها في أعماقه ويسير خلفها مغمض العينين.

وهذا سر نجاح الأحزاب المتعكّزة على الدين في الوصول إلى السلطة من كافة المذاهب أو الطوائف في العراق أو غيره من الدول العربية أو الإسلامية التي تعاني أكبر المخاطر، لأن الجماهير الواسعة تعتقد أن هذه الأحزاب أقرب إلى الله ومخالفتها خروج عن أصول التديّن وطاعة أُولي الأمر كمسلمين.

مدينة “الثورة” فيهـا كذلك خليط مجتمعي بنسب معيّنة، تربطهم الجيرة والتعايش وروح الـدفاع عن أبنـاء المحلـة، كما في محلات بغداد القديمة حيث الألفة وحب الظهور والتباهي الحضاري الإنسـاني، وهو طابع لن يزايد عليه أحد أو ينتقص.

غالبية سكان مدينة “الثورة” هم من طائفة واحدة، لأنهم من الذين نزحوا من الجنوب، وظنتهم إيران ومشروعها القومي الفارسي أدوات وبيادق تحت إمرة وليّها الفقيه، عبر تحريك ميليشياتها لإذكاء الكراهية وتحقيق أهدافها في تمزيق وحدة أبناء العراق، ونجحوا إلى حد بعيد، لكنهم فوجئوا بعد سنوات بأصوات هتافات صدرت من قلوب وحناجر ملّتْ التبعية والانقياد الأعمى لتجهيل الناس بحجة الانتماء الطائفي وتغييب المواطنة وعقل المجموع الذي أوصلوه إلى فقدان الوعي والعمل بالضد من مستقبل الشعب وجوهر الحياة.

هذه المدينة فيها أكبر نسبة شهداء في الحرب ضد أطماع إيران لابتلاع العراق في حرب الثماني سنوات، وبعد الاحتلال الأميركي للعراق تم تصفية المئات من خيرة رجالها لتشخيصهم من عُملائها كمقاتلين أشداء في الحرب، وجعلوا سكانها وقودا لحريق الفتنة الطائفية، وتم تسخيرهم وتحريكهم، لكنّ صوتا للحقيقة لا يمكن بعد الآن إسكاته، رغم محاولات طمس آثار الجرائم والتفجيرات التي تحصد المئات، ويستخدمها تنظيم داعش للترويج المجاني لقدراته في الاختراق الأمني.

أهلها يتذكرون، ولن يغيب عن بالهم، أن أول تفجير بشع ودام حصد العشرات منهم كان بصاروخ “سكود” أطلق من إيران باتجاههم، من ذات الثلاثي الذي يريد أن يقنعنا بأنهم يواجهون الإرهاب الداعشي المتوحش، بإرهابهم المقدس وإبادتهم لشعب سوريا، وتبرير إبادة المدن على أسس طائفية في العراق.

صـاروخ “سكود” صناعـة روسيـة، بأمـوال سوريـة هدية إلى إيران، لقصف بغداد في حرب الصواريخ إبان الحرب مع ملالي طهران، سقط الصاروخ على خيمة مجلس عزاء عام 1987، كان ذلك أول تفجير فـي مـدينة “صـدام” كمـا كـانت تسمّى حينهـا.

اليوم تدفع مدينة “الصدر” وهي تسميتها بعد احتلال العراق، دما مضافا، أولا لأن أهلها كتلة فقراء، ثانيا لتوريطهم في فتنة حروب الأهل، ثـالثا تسخيرهم لمشروع سياسي برداء ديني، رابعا تجنيدهم للموت دفاعا عن حاكم سفاح ارتكب بحق الشعب السوري جرائم إبادة وتهجير منظم، وخامسا اعتبارهم كبش فداء للجهل ومحرقة أرض لتقاسم نفوذ إقليمي ودولي يؤسس بادرة خطيرة تشرعن لرذيلة كبرى لن تغتفر، خيانة الوطن.

الملايين التي تشكل كتلة سكان مدينة الصدر عليها أن تعود إلى معايير شرف استحقاق مدينة الثورة على الظلم وإعلاء صدى رفضها لمشروع ولاية الفقيه ومسعاه إلى احتلال العراق لتكون بغداد عاصمة بلاد فارس كما يَتَشَهّون.. بهتافكم أيها الأحرار لبغدادكم الحرة، تكون رسالتكم وصلت إلى عدو بلادكم، احذروا أو عاجلوهم بالثورة الكبرى.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر