الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

شعور مدمر

معظم الدراسات أثبتت أن جزءا صغيرا فقط من السعادة يمكن أن يتولد من المال الذي نكسبه، بينما الجزء الأكبر من السعادة نجنيه من متع الحياة المختلفة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/05/20، العدد: 10281، ص(21)]

سألت إحدى الزميلات عن أسباب عدم سفرها مع والديها في إجازة وتفضيلها العمل على الاستجمام و“تغيير الجو” واكتشاف مكان آخر برفقتهما، فوصفت السفر معهما بـ“الروتين”، الذي لن يغير في حياتها الشيء الكثير، كما لن يضفي على عادات والديها التكرارية أي جديد يذكر فيحمد.

وقالت ذلك باقتضاب، إلا أن كلماتها أوفت في التعبير عما بداخلها من امتعاض من نسق حياة والديها، جعلها تفترض أن حتى السفر معهما سيكون مرادفا لما اعتادت عليه من رتابة في المنزل.

وفي أوساط العديد من الأسر التي تربطني بها صلة قرابة أو صداقة لاحظت أن الأطفال أيضا يشتكون من الضجر والملل، ومثل هذه الشكاوى قد لا تكون آنية أو ظرفية كما يعتقد آباؤهم ويصدقون معتقداتهم ولا يبحثون عن الأسباب فيعالجونها قبل فوات الأوان.

والخوف كل الخوف أن يجنوا على أبنائهم عن حسن نية، فقد ثبت علميا أنه من النادر أن تكون نفسية الأطفال مرنة، فيتمكّنون من تطوير أساليب تأقلم مع الوضع الذي يعيشون فيه، وإذا ما عجزوا عن ذلك فسيلازمهم الإحساس بالسأم مدى الحياة.

والأسوأ من هذا كله، أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الشعور بالملل يمكن أن يدمر الصحة النفسية ويقود إلى مشاكل عقلية خطيرة، ويسرق سنوات من عمر الإنسان كان من الممكن أن يعيشها لو وجد في بيئة تشعره بأن لحياته قيمة ومعنى.

وفي واقع الأمر، ثمة دراسات أخرى ربطت الشعور بالملل بإقبال المراهقين على الكحول والتدخين وإدمان المخدرات، ناهيك عن ارتباطه أيضا بسلوكيات متنوعة لا تقل إضرارا بالصحة، من قبيل النهم في الطعام، لا بدافع الجوع وإنما بسبب الشعور بالملل.

ولكن أغلب الأسر تجهل ذلك، وتعتقد أن سعادة أطفالها في ما توفره لهم من ماديات ومأكل وملبس ومسكن، وتتغاضى عن الأسباب الحقيقية للسعادة التي لا تكمن في الاستسلام للروتين اليومي ولمسؤوليات الحياة الضاغطة، ونسيان الترويح عن النفس وعن الأبناء من حين لآخر.

وقد أثبتت معظم الدراسات أن جزءا صغيرا فقط من السعادة يمكن أن يتولد من المال الذي نكسبه، بينما الجزء الأكبر من السعادة نجنيه من متع الحياة المختلفة.

والأشياء التي نمتلكها وتشعرنا بالمتعة قد تفقد نكهتها مع مرور الوقت، إذا لم يكن هنالك جديد يتخللها، وثمة عدة سبل لتحقيق السعادة في ظل ظروف العمل الصعبة، إذا اعتمدنا على جدول سنوي للراحة النفسية.

ولكن للأسف، السائد اليوم أن الآباء لا يتوقفون لحظة عن التفكير في جمع المال، فيما تحول الأبناء إلى مسجونين، يقضون معظم أوقاتهم بين الجدران أو متسمرين أمام شاشة الكمبيوتر والتلفزيون، حتى في عطلة نهاية الأسبوع، مما جعل حياتهم مليئة بالكآبة.

وأغلب من يعجزون عن إيجاد وقت لفسحة تساعدهم على استرداد عافيتهم وتجدد نشاطهم وأنفاسهم، ينتابهم شعور مدمر بالأسى ولا يتذوقون معنى الحياة الحقيقي.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر