الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

حالة يوشيدا العربي

في زمن التواصل الاجتماعي تتضخم هذه الحالة حتى يصبح القلق النفسي ضخا متواصلا مشكّلا ملونا، نستورد معه حالات البشر، حتى تصبح حياتنا جنونية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/05/20، العدد: 10281، ص(24)]

لاتمضي فترة من حياتنا، إلا وتكون إحدى الشخصيات السايكوباتية المريضة نفسيا، بطلة لمشاهد كثيرة فيها. فيظهر لك جارٌ متجمّد على شرفته، يشرب القهوة بالبيجاما ليل نهار، وينظر بعينين زائغتين إلى الفراغ، ممضيا أيامه هكذا من عشرات السنين، أو بائعة عجوز في الشارع القريب تشكّ بكل زبون يدخل إلى الدكان، فتمد يدها ببطء إلى العصا الموضوعة تحت الطاولة أمامها، أو مثقف يظن أنه مفكّر كبير، وأن عليه أن يرسم على وجهه ملامح شوبنهاور المتشائم، وآخرون وآخرون.

أما أبوجعفر فقد كان عنصر مخابرات معينا رسميا وعلنيا في التلفزيون السوري، كان عاديا مثل بقية الخلق، إلا أنه كان مكلفا برصد ذلك المكان ورفع تقاريره بشكل متواصل، وهنا كانت معاناته، فصار سايكوباتيا، وفقد عقله لكثرة ما مرّ عليه، وأخذ يتوهم الكثير من الأمور. وكان من أشد اللحظات حيرة عندي، حين كان يطلب التحقيق معي على انفراد، ثم يبدأ بسرد القصص الحزينة عن حياته وأسرته ومعاناته مع أجرة البيت والملابس وزوجته بطلباتها التي لا ترحم، وأنه لا يجد ما يكتبه للضابط المسؤول عنه، فلا شيء يحدث ولا مؤامرات ولا متآمرين.

قبلها في الثمانينات، كان أستاذ الدروس الخاصة في مادة الرياضيات، يفعل معي الأمر ذاته. وبدلا من شرح التفاضل والتكامل، كان يشرح لي ظروفه العاطفية، فيطلب مني السجائر وتنهمر دموعه معها، ويشكو من المجتمع الذي يتعامل معه بنظرة مسبقة، لأن جدته “أرمليّة” كما كان يقول، جاءت بعد مذابح الأرمن، فآواها العرب وربّوها ثم تزوجها جده، لكنها باتت سببا في رفض العوائل له حين يتقدم لخطبة بناتهن.

سائق سيارة الأجرة لديه أيضا أعماقه النفسية، فقد كان محبطاً دوماً. وحين تسأله ما هي صنعتك أصلاً؟ يقول لك “خبير سَحّابات”. ويشرح “نحن نستورد سحّابات البنطلونات، وتكون مفردة. الجانب الأيمن وحده، والجانب الأيسر وحده. دوري هو أن أركّب السحّاب الأيمن على السحّاب الأيسر، صرت بارعا في هذا الكار، وحلمت بأن أكون مثل الياباني تاداو يوشيدا الذي تجدون اسمه على كل سحّابات العالم. ولكن حظي عدَم. لذلك تراني أعمل سائقاً للتكسي، وأقضي الوقت كله شاردا، أتخيل نفسي وأنا أنتقي السحّاب الأيمن المناسب للسحّاب الأيسر الذي أفكّر فيه أيضا”.

وفي حارة قديمة قرب دار الكتاب المقدس في دمشق القديمة، كان عطية العانس يعيش مع والده الثري الذي يملك بيوتا كثيرة يؤجرها للناس. سكنت في إحدى غرفها قديما. كان الوالد يضطهد عطية، ويقنعه بأن الحياة لا فائدة منها، ويأخذ منه مرتبه الشهري حتى لا يهدره، رغم أن عطية كان موظفا يكاد يبلغ سن التقاعد، إلا أنه بقي مع أبيه يقضم أظافره كل يوم، ويشرب الشاي الثقيل.

في زمن التواصل الاجتماعي تتضخم هذه الحالة، حتى يصبح القلق النفسي ضخا متواصلا مشكّلا ملونا، نستورد معه حالات البشر، حتى تصبح حياتنا جنونية، تتطلب الكثير من الأمل الذي يعمل كدرع سايكوباتي واق.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر