الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

إسقاط الطائرة المصرية: رسالة للقاهرة ورسائل لباريس

عملية إسقاط الطائرة المصرية جاءت كهجوم استباقي للدولتين المحوريتين (فرنسا ومصر) اللتين ستناط بعهدتهما مسؤولية توجيه الضربات العسكرية لتنظيم داعش في ليبيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/05/21، العدد: 10282، ص(9)]

لم تكن حادثة إسقاط الطائرة المصريّة بعيدة عن رسائل التهديد والوعيد التي يبرقها تنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات الإرهابية الأخرى إلى باريس بدرجة أولى، والقاهرة بدرجة ثانية.

ففي قراءة لحيثيات العملية الإرهابية بالإمكان التأكيد على أنها تتزامن مع بداية وضع باريس لإستراتيجيتها الجديدة في المنطقة العربية، بما يعنيه هذا الأمر من رغبة لدى هذه الجماعات التكفيرية في إيصال “برقية” موقعة بالدم للإيليزيه قبل انخراطه في ميادين القتال في سوريا وليبيا.

الناظر إلى الدبلوماسية الفرنسيّة خاصة مع قائدها الجديد جون مارك إيرولت، يبصر اندفاعا فرنسيا في ملفات استراتيجية كانت تمثل بالأمس المجال الحيوي لواشنطن.

تدرك باريس أن الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي من المنطقة العربية ستستغله قوى إقليمية تستثمر في تحول الدول إلى رقعة شطرنج صلب لعبة الأمم، وتوظّفه جماعات إرهابية تبحث عن اعتراف ناعم يبنى على مقايضة “غض النظر” الدولية بمنع الهجرة غير الشرعية من الوصول إلى الضفة الشمالية من البحر المتوسّط.

الجهد الفرنسي المبذول لعقد مؤتمر دولي لاستئناف مفاوضات التسوية الفلسطينية، إضافة إلى الدبلوماسية النشطة لإيجاد حلّ للنزاع السوري ولملء الفراغ الرئاسيّ في لبنان الممتدّ على أكثر من 3 سنوات، دون نسيان سياسة “الحرير والحديد” في ليبيا حيث تحضر باريس لعملية عسكرية تستهدف الكيان الداعشي المتمركز في سرت وغيرها من الأماكن الغنية بالبترول.

صحيح أنّ قرب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية المقررة في ربيع 2017 يفتح زاوية تفسيرية لكلّ هذا الحراك في حكومة الرئيس فرانسوا هولاند، ولكنها عاجزة عن الإتيان على كافة الوقائع لا سيما وأنّ العديد من السياسات المعتمدة تمثل التوافق السياسي والحزبي والمدني في فرنسا، ولا تشكّل اجتهاد الحزب الاشتراكي أو رئيسه فرانسوا هولاند في أحسن الحالات.

هنا من الواضح أنّ التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها “داعش” باتت تتعامل مع معاقلها في ليبيا كخط دفاع متأخر، لكي لا نقول الأخير، سيما بعد أن خسرت الكثير من الأراضي في سوريا والعراق على وقع التدخل الروسي والاحتراب الدموي المستجدّ مع بعض الفصائل الإسلامية قرب حلب وفي ضواحي دمشق الشام، الأمر الذي فرض على التنظيم تقليص أجرة مقاتليه إلى النصف وإثقال كاهل “أهل الذمّة”، وفق منطقه ومنطوقه، بجزيات مشطة.

بمقتضى ما تقدم لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ عملية إسقاط الطائرة المصريّة جاءت كهجوم استباقي للدولتين المحوريتين (فرنسا ومصر) اللتين ستناط بعهدتهما مسؤوليّة توجيه الضربات العسكريّة لتنظيم داعش في ليبيا، ولئن كان الدور الفرنسيّ متمثلا في الإسناد الجويّ والاستخباراتي، فإنّ الدور المصري سيتجسّد في الوضع الميداني على الأرض سواء عبر تسليح الجيش الليبي وتدريبه أو التدخل المباشر لدعم المؤسسة العسكريّة بقيادة خليفة حفتر.

هي حرب قبل الحرب الفعليّة إذن، تحاول التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش كسب الجولة الأولى في معركة الاستخبارات ضدّ الجانب الفرنسي وفي معركة “فاتورة الدماء” البريئة ضد الجانب المصري، وعلى تخوم الأهداف المركزية استتباعات مؤلمة على السياحة المتعثرة أصلا وصورة الدولة المصريّة المتعافية بعد سنوات الترهّل، إضافة إلى تداعيات رمزية في مستوى إضعاف الثقة في أمن المطارات العربية والدوليّة، وفي خطوط الملاحة الجوية، ما يجسد مقولة “الاستهداف المادي والاستنزاف المعنوي”.

لا يبدو أنّ العملية الإرهابية ستفضي إلى تراجع فرنسي لاعتماد سياسة “الحديد والحرير” في ليبيا والانخراط في تدخل عسكري ضد داعش بسرت، ولكنّها ستفرض على باريس دق ناقوس الخطر وإعادة النظر في أمن مطاراتها قبل العطلة الصيفية، سيّما وأن الرسالة الداعشية المبرقة إلى الإيليزيه تتلخص في أن الخلايا النائمة للتنظيم موجودة في أكثر الأماكن تأمينا في البلاد.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر