الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الإمام علي لم يكن غازيا يا سيد حسن.. حين قتله ابن ملجم

حزب الله يتجه إلى المزيد من الانخراط في الحرب السورية والسير في المسار التدميري الذي يشكل بقاء الأسد ضمانته. التدمير هو الوظيفة التي أتقنها حزب الله وبرع فيها خلال السنوات الماضية.

العرب علي الأمين [نُشر في 2016/05/24، العدد: 10285، ص(8)]

استخدم الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، كل ما يمتلكه من تأثير في جمهوره، ليقول ما يثبت في ذهنه صحة الخيار الذي اتخذه الولي الفقيه علي خامنئي، بتوجيه سلاح حزب الله إلى العدو الذي بات يعتبره أكثر خبثا من الإسرائيلي و“أقل إنصافا” لمسيرة حزب الله، أي من يسميهم “التكفيريين” في سـوريا والمنطقة. لم يوفـر المملكـة العربية السعودية بل “أَغْدَقَ” عليها من الأوصاف التي تجعل قيادتها أشدّ خطرا من الأميركيين والإسرائيليين، وكل من سماهم حزب الله منذ نشأته “المستكبرين” و“الشيطان الأكبر” والصهاينة، وما إلى ذلك من أدبيات كان حزب الله يصوغ من خلالها خطابه السياسي، ويبرر لنفسه التسلح والقيام بعمليات أمنية في جميع القارات طيلة نحو ثلاثة عقود.

جدد السيد حسن نصرالله هذا الخط الذي انتهجه في الانخراط بالحرب السورية منذ خمس سنوات، وذلك من خلال التأكيد على أن قتلة القيادي العسكري مصطفى بدرالدين قبل أكثر من عشرة أيام، ينتسبون إلى جهة تكفيرية، وليس إلى إسرائيل. فقد اجتهد السيد نصرالله خلال خطابه الأخير، في ذكرى مرور أسبوع على دفن بدرالدين، في أن يردّ التهم عن إسرائيل. وأكد أن التي نفذت عملية الاغتيال أطراف أخرى ليست إسرائيل… على أن هذا الخطاب وهذا الإصرار على نفي التهمة عن إسرائيل، يصدران من مدرسة طالما اتهمت كل خصم لها بأنه مرتبط بإسرائيل، صادران من أيديولوجيا لا ترى في المختلف عنها غير خائن أو عميل. وهو نفسه نصرالله كـان شديد الحـرص على نفي التهمة عـن إسرائيل.

أي نفي كل ما يمكن أن تعتبره الحكومة الإسرائيلية اتهاما يعتد به من قبل أجهزتها العسكرية والأمنية. أما الاتهامات السياسية بدعم إسرائيل لمشاريع إسقاط بشار الأسد أو ما يسميه محور المقاومة في المنطقة، فهي من قبيل الرصاص الصوتي الذي لا يحسب في إسرائيل تهديدا أو استعدادا لعمل أمني أو عسكري ضد جنودها.

قالها نصرالله ووصلت إلى جمهوره بوضوح “العدو الخطير هو السعودية”. وهكذا أكد أن كل ما يجري في سوريا هو “مؤامرة سعودية”. طبعا لم يستثن الأميركيين أو الإسرائيليين من المؤامرة، لكن العداء والرصاص في وجه التكفيريين، لا الأميركيين ولا الإسرائيليين. رغم أنهم متورطون، كما يقول، في “المؤامرة على سوريا”، بل “يديرون الحرب عليها”، لكن لا يبدو أنهم يستحقون شرف إطلاق النار عليهم.

وتبصروا في استحضار نصرالله مثال مقـتـل الإمـام علـي بـن أبـي طـالـب فـي مسجـد الكوفة، على يد ابن ملجم، أحد الخوارج، بقوله إن “الإمام علي لم يقتل على يد يهودي”، لينتهـي إلى أن أحـدا لا يشـك بأن الإمام علي ليس شهيدا. هـذا الاستحضار جاء في سيـاق محاولـة تبـرير أن مقتـل بـدرالديـن من قبـل غيـر الإسرائيليين أو اليهود لا يقلل من شأن شهادته. لكن، في المقابـل، غيـب السيـد نصراللـه أن الإمـام علـي قتـل وهـو يصلي في المسجـد، وقتلـه ابـن ملجم غدرا، والأهم: لم يكن الإمام علي هو الذي بادر ابن ملجم بالقتل والاعتداء.

محاولة محاكـاة السيـد نصـرالله انخراطه في القتـال السوري بحرب الخـوارج، هي محاولة تنزيه نظام الأسد مما ارتكبه من جرائم قتـل المئات مـن الآلاف وتهجيـر الملايين من السوريين. والسيد نصرالله لـم ينتبـه إلى المـلايين مـن السـوريين الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات ومن المساجد والمدن والأرياف بشكل سلمي مطالبين بتغيير النظام قبل خمس سنوات. هو لا يرى في سوريا غير بشـار الأسد من يستحق أن يقـاتل من أجله وفي سبيله، أما الشعب السوري، الارتكابات الموثقة لهذا النظام، لا وجود لها ولا تخطر على باله، بل، ببساطة، هو يرى أن الناس لا يستحقون أن يخرجوا مطالبين بالعدالة والحرية.

حزب الله الذي خابت جهوده، هو والحرس الثوري، في إحداث اختراق لمدينة حلب، دفع من مقاتليه ومن المقاتلين الإيرانيين ومن جنود الجيش السوري أكثر من مئتي قتيل في معارك ريف حلب الجنوبي. ورغم إدراكه بأن المعارضة السورية المسلحة افتقدت للدعم العسكري ممن يعتبرون أصدقاءها من عرب وترك وغربيـين، إلا أن الـروح القتاليـة العالية تتأتى من أن هـؤلاء يدافعون عـن أرضهم وبيوتهم وأبنـائهم، و“الحرة ليست كالمستأجـرة”. وفيمـا كانـت لهـذه المواجهات خـلال الشهـريـن المـاضيين أصـداء فـي لـبنـان، زادت على مطالبات انسحاب حزب الله مـن سوريـا، حسـم نصراللـه المـوقـف بالتأكـيد “باقون في سوريـا وسنـزيد من حضورنا”. لكن هـذا الموقف جـاء بعـد قرار غير معلن هو عدم التورط في حلب مجددا، بل إعـادة انتشار قـوات حزب اللـه علـى حـدود سوريا المفيدة وتركيز القوات في دمشق وريفها وفـي القلمون وحمـص وحمـاه، وفي الجنـوب السوري. وهكذا فإن حزب الله “طمأن” اللبنانيين أنه باق في سوريا.

الحرب السوريـة التي يخـوضها حزب الله هي إعلان لاستمرار القتال، وطيّ ما تبقى من صفحات المواجهة مع إسرائيل. ويشكل غرق حزب الله في الحرب هناك وسيلة لاستكمال ملحمة بديلة عن مقاومة إسرائيل. ملحمة تتطلب رموزا جديدة تنجز بطولات في الحروب الأهلية العربية. ولأن حزبا مثل حزب الله لا يحمل أيّ مشروع نهضوي للمنطقة العربية خارج القتال، فهو ينفذ، بإخلاص، مشروع بناء القوة الشيعية في المنطقة العربية. القوة التي توجهها إيران وترحب بها إسرائيل. ذلك أن نهر الدماء من سوريا إلى العراق فاليمن وغيرها من الدول، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى، فرضا عمليا كيانات تقوم على المذهب والإثنية.

ولإدراك إيران أن نظام ولاية الفقيه ونموذجها الحاكم فقد جاذبيته لدى عموم المسلمين وصار العدو لدى العديد من الشعوب الإسلامية، من هنا يتجه حزب الله إلى المزيـد مـن الانخـراط في الحـرب السـوريـة والسيـر في المسـار التدميـري الـذي يشكل بقاء الأسـد ضمانتـه. التدمير هـو الـوظيفة التي أتقنهـا حزب الله وبرع فيها خلال السنوات الخمس الماضية.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر