الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

هل نحن بحاجة إلى مؤتمر عراقي للمعارضة

عدم وضوح الإستراتيجية السياسية لهذا المؤتمر، وسرية أسماء اللجنة التحضيرية وغموض المعايير الموضوعة لاختيار أعضائه، قد تضيع فرصة تحوله إلى قوة مؤثرة في الواقع العراقي وتضع تساؤلات حول جدوى انعقاده وتهدد بفشله.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/05/24، العدد: 10285، ص(8)]

تتداول الأخبار اليومية موضوع عقد مؤتمر للمعارضة العراقية نهاية هذا الشهر في باريس بعد انعقاد عدة مؤتمرات ولقاءات وتجمعات لرافضي العملية السياسية، وصفت من قبل أجهزة الإعلام الحكومية والحزبية في العراق بأنها مؤتمرات “داعشية وبعثية” وهي تهمة جاهزة تحاول ترحيل الأزمة الخانقة التي رافقت العملية السياسية منذ اليوم الأول للاحتلال، علما بأن أكثر حكام اليوم هيمنة، وهم قادة حزب الدعوة، كانوا معارضين للحكم السابق ويدركون بأن ذلك هو حق سياسي تعترف به كل القوانين والأعراف الدولية وشرعة حقوق الإنسان ولا تعاديه سوى الأنظمة الدكتاتورية.

وقبل الإجابة عن سؤال جدوى انعقاد مؤتمر للمعارضة العراقية في باريس، لا بد من الإشارة إلى حقيقة تاريخية وسياسية وهي أن معطيات ومواصفات المعارضات السياسية اليوم قد تغيّرت عما كانت عليه قبل عقود خاصة في شرقي العالم العربي وبالأخص سوريا والعراق حين كانت الأحزاب الشعبية ذات مناهج وطنية وقومية معارضة للاستبداد والتبعية للأجنبي. كان قادة تلك الأحزاب مناضلين حقيقيين لا يهتمون بالمظاهر ويعيشون في الأوكار، يعتمدون في نشاطاتهم على إمكانياتهم الذاتية وإمكانيات جمهورهم من بسطاء الناس وكادحيهم، وكان اللقاء أو التعاون مع السفارات محرّما ويدخل في خانة العمالة للأجنبي.

كانت هناك تقاليد وأخلاقيات صارمة للعمل السياسي، والبرامج السياسية الواضحة لأي حزب أو حركة هي التي تدفعه إلى التحالف الجبهوي مع حزب آخر، وهكذا نشأت الجبهة الوطنية العراقية عام 1954 بين حزب البعث وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني ضد النظام الملكي العراقي الذي استند على أول انتخابات تشريعية ديمقراطية عام 1923، كما تشكلت الجبهة الوطنية التقدمية لدعم حكم البعث عام 1973 وكان الحزب الشيوعي أبرز أطرافها.

وبعد الاحتلال العسكري للعراق عام 2003 تم اجتثاث أعضاء حزب البعث وقنن ذلك الاجتثاث دستوريا، وفرضت معايير وضوابط حزبية وطائفية للمساهمة في العملية السياسية ودخول الانتخابات، وبدلاً من ترحيب الحكام الجدد بمقاومي الاحتلال ومنحهم فرصة بناء العراق الجديد إلى جانبهم، تم التضييق عليهم ومطاردتهم تحت شعارات سوّقها الاحتلال تصفهم بالإرهابيين، وسبق أن ضاعت، وبوقت مبكر، فرصة قيام مصالحة وطنية عراقية خلال مؤتمر القاهرة المنعقد في نوفمبر 2005 وانفردت الأحزاب الطائفية الشيعية بالحكم تساندها الكتل الانتخابية النفعية من العرب السنة، حيث لعب هؤلاء السنة لعبة مزدوجة؛ فأمام جمهورهم يدعون معارضتهم إلى العملية السياسية، ويخضعون من ناحية أخرى لمشيئة الحكام من الأحزاب الشيعية ومن وراءها، وهذه اللعبة خلطت الأوراق، وأدت إلى زج الكثيرين من الأبرياء في السجون والمعتقلات.

ولعل المظهر المهم من تلك الخلطة السياسية في السلطة هو عدم تقنين انفراد حزب الدعوة بالحكم مثلما هو واقع الحال وتم تمويه ذلك بما سمي بـ”الشراكة” وهي كذبة طائفية فضحها رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب الدعوة نوري المالكي أواخر أيام ولايته الثانية، ولو تشكلت معارضة حقيقية داخل البرلمان مقابل حكم حزب الدعوة لكانت الأمور مختلفة اليوم.

ففي بغداد يتمتع المعارضون داخل العملية السياسية بامتيازات الحكم، ويدعون المعارضة الشكلية الإعلامية. كان طبيعيا، بعد غياب فرص التأثير داخل البرلمان إضافة إلى وجود قوى وطنية مؤمنة بالعراق من خارج العملية السياسية، أن تتبلور المواقف المعارضة وتتكون معارضة داخل العراق وكذلك خارجه خصوصا لدى أصحاب المواقف الشديدة ضد النظام القائم الذين يخشون التعرض للملاحقة والاعتقال.

وجرت خلال السنوات الماضية عدة تجمعات ولقاءات سياسية خارج العراق، خصوصا في الأردن، في محاولة لبلورة قيام مؤتمر وطني جامع، لكن تلك المحاولات فشلت لأسباب كثيرة من بينها ضغوط حكومة بغداد على قيادة كردستان التي تأوي بعض الرموز المعارضة وكذلك الأردن وتركيا، ولا بد من الإشارة إلى أن معارضي العملية السياسية هم طيف واسع من الفعاليات والنشاطات السياسية والجماهيرية ونخب المفكرين والمثقفين والناشطين السياسيين داخل العراق وهم الأكثر تأثيرا في عملية التغيير السياسي المنشود، إضافة إلى المعارضين في الخارج الذين ينقصهم الإطار السياسي الذي يجمعهم. ومن الظلم اختصار المعارضة على تنظيم عزة الدوري لحزب البعث مثلما يتحدث به الخطاب الحكومي الحالي فتلك خدمة مجانية يقدمها الحكام الشيعة لذلك التنظيم، مع أن من يمثلونه في الواجهات العلنية الخارجية أصبحوا يراهنون على الإعلام أكثر من العمل السري الجدي، ولذلك نجدهم يندفعون في الإمعان بالظهور مثلما حصل أخيرا في الاجتماع الذي عقد قبل شهر في أسبانيا تحت لافتة “منظمة المغتربين العراقيين في بريطانيا” وجرى لغط كثير حول جدواه وأهدافه. مؤتمر كان أقرب إلى السياحة منه إلى السياسة، وكان استعراضيا لإدارته وشخصياته.

ثم يعلن هذا التنظيم البعثي التابع للدوري عدم حضوره “مؤتمر باريس” للمعارضة لأسباب غامضة. ولعل من الأفضل لقادة هذا التنظيم الذين يعلنون عن أسمائهم ومواقعهم التخلي عن الاندفاع وراء شاشات الفضائيات والإعلام وينصرفون بدل المؤتمرات الاستعراضية إلى عقد مؤتمر حزبي يعالج أزمة تنظيمهم الفكرية والسياسية، ويخرجون بتقويم يقنع جمهورهم بما حصل وما جرى.

ومن المقاطعين لمؤتمر باريس المنتظر هيئة علماء المسلمين رغم العلاقة العائلية التي تربط بين راعي هذا المؤتمر المباشر، جمال الضاري، وأمين عام الهيئة مثنى حارث الضاري، ولا نريد الدخول في تكهنات قد تكون غير دقيقة تقول إن الدعم الأميركي للمؤتمر هو أحد أسباب ذلك، فهيئة علماء المسلمين لم تعد متصلبة في مسألة الحوار مع الأميركان أو قبول التغيير السياسي، إلا أن التسريبات تقول إن جمال الضاري وهو شخصية وطنية رغم عدم احترافه السياسة، لديه رؤية وطنية مختلفة عن البعثيين وهيئة علماء المسلمين، يجد بأن التغيير قد يتحقق لصالح المشروع الوطني بأساليب وآليات عبر إجراء تعديلات جوهرية على العملية السياسية بدعم الأميركان الذين لا يريدون التورط حاليا بعملية جذرية في بغداد نظراً لانشغالهم في قضية سوريا ومحاربة داعش، لكنهم يضعون المعارضة ذات الوجوه الجديدة كورقة ضغط قد تستفيد منها الإدارة الأميركية المقبلة.

ويقال إن قطر هي الممول الرئيسي لمؤتمر باريس الذي يسعى جمال الضاري من خلاله، ودون ضجيج إعلامي ينسب إليه، إلى تجميع القوى والطاقات السياسية والفكرية العراقية في خطوة تشكل انطلاقة للعمل المعارضي العراقي الجديد. كما أن هذا المؤتمر مدعوم من الحكومة الفرنسية، ومعلوم أن رجل الأعمال خميس الخنجر كان يشتغل على عقد مؤتمر مماثل في باريس تحت شعار “المشروع العربي” لم يتبناه أو يشجعه الأميركان، وانسحب من المشروع لصالح جمال الضاري.

ورغم شعورنا بأن أي تجميع للقوى والشخصيات الوطنية العراقية مهم في هذه المرحلة الدقيقة، إلا أن عدم وضوح الإستراتيجية السيـاسية لهذا المؤتمر، وسرية أسماء اللجنة التحضيرية وغموض المعايير الموضوعة لاختيار أعضائه، قد تضيع فرصة تحوله إلى قوة مؤثرة في الواقع العراقي وتضع تساؤلات حول جدوى انعقاده وتهدد بفشله، وبذلك تضيف تلك النتيجة إحباطا على إحباط بعد وصول العملية السياسية إلى مأزقها التاريخي، مع قناعتنا بأن المعارضة الحقيقية هي في الداخل، وما يقوم به الشباب العراقي اليوم من حراك سلمي أزعج أقطاب العملية السياسية لدرجة وصف المتظاهرين الشجعان بأوصاف لا تليق بالدماء الزكية، بغض النظر عمن يوظفها، فقطرة دم من شاب عراقي، شيعيا أو سنيا، يعارض العملية السياسية لا تعادلها المئات من المؤتمرات الخارجية، وإذا كانت هناك جدية في عقد مؤتمر لا يستثني إلا المتورطين بدماء العراقيين والفاسدين، فلا بد أن يكون وجهاً إعلاميا داعماً لحراك الداخل.

أيها الباحثون عن الظهور في الفضائيات، ممن ينسبون أنفسهم إلى حركة تاريخية لها مكانتها النضالية في العراق: اتركوا منابر الغربة الإعلامية فلن تثيروا انتباه أحد، واذهبوا إن كنتم شجعانا إلى الداخل فهناك تصنع ملحمة البناء والتغيير يسطرها الشباب المنتفض الذي يقدم دمه في بغداد والبصرة والنجف وغيرها من مدن الوسط والجنوب، بعد أن تم أسر أهل المحافظات العربية الموصل وصلاح الدين وديالى والأنبار في مواكب النازحين. فهناك فقط تأخذ القضية العراقية مكانها اللائق.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر