الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

منطق الطير

الجاهل يعتقد أنه أحاط باللغة وملك أسرارها. هناك كثيرون يجب، من باب الحق والصواب، أن يعرفوا أنفسهم بأنهم جاهلون بكل لغة يدعون معرفتها ويزعمون القدرة على الحديث بها بشطارة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/05/24، العدد: 10285، ص(24)]

الناس تحب أن تفهم ما يقال على مسمع منها. لا أحد يريد أن يكون “مثل الأطرش بالزفة” كما نقول في العراق لمن لا يعي ما يدور حوله. ويبلغ الشغف في فهم ما نسمع حد أننا نريد أن نفهم الحيوان ونفهم زئير الأسد ونهيق الحمار ولغو الطفل الرضيع وصراخه ومواء القطط. ولهذا اشتهرت القصيدة المطولة (نحو 4500 بيت) التي وضعها فريد الدين العطار لأن اسمها “منطق الطير”، رغم أنها لا تنقل إلينا معنى الزقزقة والوصوصة بل هي قصيدة صوفية فيها طيور تعبر عن السالكين في الصوفية. لكن العطار اختار لقصيدته/الكتاب عنوانا جذابا يعد بترجمة كلام الطير.

محاولة فهم الحيوان عبث لأن “الأسد حتى لو تحدث بلغتنا لن نفهمه” كما يقول فيتغنستاين، همومه مختلفة واهتماماته غير معروفة. سيقول بلغتنا شيئا من قبيل “تراب، ضرس، حكّة”. المهم أن نتعلم لغات الإنسان ونبذل جهدا لمعرفة ما يقوله الفرنسيون أو الأتراك.

المشكلة في اللغات الإنسانية هي أن متعلميها لا يدركون كم أن اللغة واسعة ودقيقة والإحاطة بها شبه مستحيلة. المفردات لها حكايات وتواريخ والمعاني لها ظلال ودرجات وجماليات طبعا. والقواعد تعبر عن فكر وعن وجدان يختلف بين شعب وآخر.

الجاهل يعتقد أنه أحاط باللغة وملك أسرارها. هناك كثيرون يجب، من باب الحق والصواب، أن يعرفوا أنفسهم بأنهم جاهلون بكل لغة يدعون معرفتها ويزعمون القدرة على الحديث بها بشطارة.

هؤلاء معرفتهم بالتركية مثلا لا تتيح لهم سوى الاستعلام عن موقف الحافلة ولا تصل بهم إلى أكثر من طلب همبرغر دون كاتشاب. فائدتهم لا تتجاوز إعانتك على طلب ساندويتش شاورمة بلا مايونيز. وإذا كنت لا تمانع المايونيز ولا حتى الكاتشاب فليس لهم داع ولا ضرورة.

حديثنا عن هؤلاء الذين يعلنون في تعريف أنفسهم أنهم بلابل بالفرنسية لا تزيد مهمتهم اللغوية بتلك اللغة عن إخبارك بأن الطريق من كارفور حتى الدوار الذي يليه مقطوعة بسبب حادث مرور. وتبلغ الوقاحة ببعضهم أنهم يحادثون أبناء جلدتهم بتلك اللغة. نفهم من كلامهم أن اللغة العربية ليست كافية ولا تتسع لقول خبز أو حليب أو فلفل أسود. يعتذر المضيف عن أن ما عنده حليب مع القهوة فيقول “للأسف ما عندنا مِلْك”. يا سلام. لا تسعفه العربية فالمعنى ثقيل وعميق ويجب أن يقترض من الإنكليزية كلمة “milk” ليتضح المعنى.

والشنيع حقا هو لغة الحب لدى هؤلاء البلابل. تجدهم في إنكلترا يصاحبون فتاة ويدعونها إلى العشاء وببلاغاتهم التي لا تقاوم يقولون “أنا، أنت، يروحون، يَم يَم يَم”.

ورأيت اسكتشا كوميديا ألمانيا فيه شاب عربي مازال يتعلم اللغة وقد دعا فتاة ألمانية إلى العشاء وقد خلق جوا رومانسيا مظلما مثل أفلام الرعب وهو يقبلها ويهمس في أذنها ما تعلمه في مدرسة اللغات مغمضا عينيه قائلا “أخي الصغير يذهب إلى المدرسة في الصباح”. ستذوب الفتاة حتما.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر