السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الطائفية نظام فصل عنصري

الحرب الطائفية أو المذهبية أو الدينية المستعرة في مناطق من العالم ينبغي أن توضع تحت مجهر المؤتمرات الدولية والأممية الفاعلة لتأخذ حقها من استفاضة الحوار ووضع قوانين صارمة للحد من لعنة الحروب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/05/25، العدد: 10286، ص(8)]

الإنسانية وجدت نفسها وحيدة في مرات عديدة، وكان عزاؤها في اللجوء إلى الفن والثقافات والآداب، لصناعة ضوضاء خاصة بآمالها، تقارع بها فائض القوة عند السلطات، ومقاومة الموت حتى في لذة الألم، لتسمو الحياة من الفوضى إلى النظام.

افتتحت أعمال “قمة الإنسانية” في العاصمة التركية إسطنبول بحضور قرابة 60 من زعماء دول وحكومات العالم، وعدد كبير من الشخصيات الرسمية وغير الرسمية ومنظمات وهيئات أكاديمية وقطاع خاص، ومن ينوب عن مناطق الأزمات.

الأمم المتحدة تصف الواقع الإنساني بالأسوأ بعد الحرب العالمية الثانية، والقمة، قمة قيادات مسؤولة متفردة على قمة منتجع يطل على أحزان الشعوب وما يلحق بها من تعثر في مسيرتها وغدها.

المعنى المزدوج لعنوان القمة، يتبادل بين الطموح والحلم بأن ترتقي الإنسانية إلى قمة تعاونها للوصول إلى مقاربات التفاهم كمجموعة ترتبط بمصير واحد مشترك، وهو العيش على الكوكب وتحت ظروف تنسحب في تأثيرها على الجميع بنسب متفاوتة، والوقائع تؤكد انتقال الأزمات، إن كانت كوارث طبيعية أو نزاعات مسلحة أو حوادث صادمة، كفعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية إلى مناطق أخرى مستقرة.

أما أن تكون القمة لحضورها كقيادات، فهي دلالة على حجم المخاطر وعمقها واتساع مساحة الحوارات الممكنة وتنوع المشاكل الكبرى مدار النقاش، ومنها 7 اجتماعات طاولة مستديرة، والعشرات من الجلسات الخاصة والمئات من الفعاليات الجانبية، تتناول الخسائر الاقتصادية المترتبة عن الحروب وما يتبعها من هجرة ونزوح الملايين من الأشخاص، مضافاً إليها أكثر من 200 مليون إنسان يعانون من الكوارث الطبيعية كل عام، وخسائر تتعدى 300 مليار دولار، وهناك 130 مليون إنسان في حاضرنا بحاجة إلى مساعدات. منطقتنا العربية وما يجري على أرضها من صراعات مسلحة فاقمت أرقام طالبي اللجوء وضرورة تهيئة مستلزمات إدامة المساعدات لهم وللنازحين إلى أماكن أخرى في بلدانهم.

القمة، يمكن استثمارها إيجابيا والخروج بتطبيقات عملية فكرية وتنفيذية تستجيب لنداء إغاثة عالمي جاد، تتعلق بإرادات سياسية أولا، وتصميم دولي على إيقاف الأزمات المسلحة بتفاهمات تتعاطى بدائرة أكبر من المصالح، وتخفف الاحتقان على النفوذ أو الاعتزاز القومي والتاريخي لرقعة جغرافية على أخرى. أما الكوارث الطبيعية فمعظمها له صلة بالتغيرات المناخية، وذلك مدعاة لتضافر الجهود الأممية والعلمية والرقابة وتحمل المسؤوليات لخفض نسب التلوث وزيادة المساحات الخضراء بقوانين ملزمة لجميع الدول، لأن المناخ لا يعترف بحدود الوطنية وعقلية الحماسة للمشاريع القومية أو العقائدية أو الدينية.

الإنسانية، وقمتها، لا تعني فقط توفير المال لصندوق إعانات دولي تغترف منه المنظمات المعنية لإدامة عملها في تقديم المساعدات، إنما هي مفهوم لمعالجة أو إيقاف التدهور الملحوظ في حركة المجتمعات بشكل عام وفي أماكن محددة اجتاحتها أوبئة الحروب الأهلية أو المواجهات المسلحة أو الجفاف وقلة موارد الزراعة أو الثروة الحيوانية، وهي مرتبطة ببعضها.

نأمل أن تتسلق البشرية قمة إنسانيتها للتخلص من انغلاق أفقها على مجرد تبرعات، والتوجه إلى وضع حلول جذرية زمنية وبمدى منظور تجاوزا لعثرات الماضي التي طبعت الفكر الإنساني بالقصور لاتهامه بممارسة أفعال شائنة كتجارة الرق والتمييز العنصري وارتكاب المجازر الجماعية والإبادات المنظمة، واستغلال تلك الفعاليات لتغليب مصلحة جهة معينة، أو عرق على آخر، أو تعميم إلزامي باستخدام العنف لإجبار مجموعة بشرية على اعتناق فكرة أو رؤية سياسية أو دين أو مذهب.

التسامح، سمة إنسانية تتربع على قمة المستقبل، مع الإصغاء لآلام الآخر الذي يتشارك معنى الحياة دون تمييز، والبحث عن الحقيقة من أفواه الذين يعانون المأساة، وتذليل الصعوبات لرسوخ بيروقراطية الحكومات كنظام تداول عالمي، يعيق تماما الاستماع لأصوات هامسة بالآلام أو الحرمان أو التعسف، لأن أصوات إعلام السلطات أو دكتاتورية رأس المال أو الدعاية تعلو على بقايا صوت إنساني محاط بالقمع واليأس والجوع وفقدان الأمل.

الإنسانية في سعيها للقمة، لزاما عليها حثّ أدواتها وبرامجها الممكنة لإدراج مستجدات ترقى إلى جريمة الفصل العنصري، فالحرب الطائفية أو المذهبية أو الدينية المستعرة في مناطق من العالم ينبغي أن توضع تحت مجهر المؤتمرات الدولية والأممية الفاعلة لتأخذ حقها من استفاضة الحوار ووضع قوانين صارمة للحد من لعنة الحروب، وما تستنزفه من دماء وطاقات تفوق ما أنتجه نظام الفصل العنصري في بريتوريا أو العنصرية عموما، وهل في الأمر الآن منزع لسلاح بعد مجريات العبث الإنساني في العراق وسوريا واليمن، أو في بعض دول أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

من واقعنا في البرلمان العراقي وعلى مدى دوراته بعد الاحتلال الأميركي، لم نستطع أن نؤسس قاعدة تواصل مع مجتمع الأزمات الحادة، وهو ممكن أن يكون برنامجا لاستحضار شهود عيان يخضعون لقانون حماية خاص تحت إدارة مباشرة من رئيس المجلس ليطلع الرأي العام على بساطة “منصة الحقيقة” ولعدم تذويب الملفات المتعلقة بالجرائم الجماعية، ومعروف ما تجره المظالم وعدم الاستماع لأهلها من شعور بعدم جدوى القانون أو احترام الدولة أو الإنسانية.

المنظمات الإنسانية والأممية أيضا، عليها الاستماع لصوت الأزمة من حنجرتها وما عاشته من فصول المعاناة، لأننا أهملنا، بشكل سافر، العنصر البشري والمجموعات الإنسانية والشعوب، عندما اختصرناها بمن يمثلها فقط من زعماء أو مندوبين عنها.

رؤية الحقيقة، تعطي انطباعا مغايرا للاستجابات، وما يمكن أن تنتج عنها من قرارات تنسجم مع النزوع الإنساني ومؤثرات المعايشة.

ما يبعث على القلق هو إطالة أمد النزاعات المسلحة، ومعها سنوات المخيمات والنزوح حيث يتربى جيل بغياب التعليم والصحة وسوء التغذية والشعور بالمهانة والذل، وهي عواقب وخيمة سترتد من جدار الصمت الدولي، وكذلك استمرار الدعم المالي الشحيح دون التفكير في استثمار تدفق الأموال من الدول المانحة لإقامة مشاريع صناعية أو زراعية أو خدمية، توفر رؤوس أموال مضافة ومستمرة تعود بالنفع على اللاجئين وبلدان اللجوء، وتقلل الحاجة إلى المزيد من المعونات وتساعد في تنمية الواقع النفسي ودمج اللاجئ كإنسان طبيعي في زمن محنته وبعد عودته إلى وطنه الأم، وتضيف له مهارات تدريبية وتعليمية.

قمة الإنسانية، هي عدم ترك الطفولة البريئة تنمو في ظل عدم الثقة بالآخر الذي يعيش في نعيم القانون والنظام وهو يحيا في فوضى انعدام القيم، واكتشافه أن لا معنى للحياة. بعد كل مخاض الألم، حان موعد إنجاب إنسانية في قمة الإنسانية.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر