الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

كساد الحب

وصل إدمان البريطانيين على استخدام الكمبيوتر والأجهزة الذكية إلى حد أنهم يفضلونها على ممارسة الجنس مع شركائهم أو أكل كيس من البطاطس المقلية، التي تعتبر من الوجبات المفضلة لديهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/05/27، العدد: 10288، ص(21)]

شبهت صديقتي هاتف زوجها بـ”الضرة” التي تتقاسمه معها، وأحيانا لا تترك لها مجالا فيه، معربة عن استيائها من شعورها بالوحدة على الرغم من وجوده معها، وذلك بسبب انشغاله عنها صباحا ومساء، وحتى في أيام العطل بهاتفه الذي يمضي معه معظم الأوقات، بل ويلازمه مثل ظله.

وكم كانت استعارتها بليغة ودقيقة في التعبير عما أصاب العلاقات الزوجية بسبب الأجهزة الإلكترونية، التي سرقت من الأزواج أمتع اللحظات الحميمية، وفرضت عليهم وفي عقر ديارهم شريكا ثالثا وربما رابعا وخامسا، خاصة في ظل تعدد التحديثات الجديدة التي تكسر خلوتهم وتقتحم حياتهم بالقوة.

وعندما يكون الإغراء موجودا، فالاستسلام لا مفر منه بالنسبة إلى الأزواج نساء ورجالا على حد سواء، فأغلبهم يتناسى في نوافذها كل حبيب وقريب، وحتى نفسه تصبح في مهب النسيان، أمام لحظة فارقة بالنسبة إليه مع حاسوبه أو جواله اللذين يحصل منهما صانعوهما الأذكياء على ثروات طائلة، وفي المقابل يكون الناس عبيدا للنقرات واللمسات.

للأسف لم يعد معظم الناس يجدون متعة إلا في الوقت الذي يقضونه على هواتفهم الذكية وفي التجول عبر المواقع الافتراضية، إلى درجة أن الكثيرين أصبحوا يشعرون بأعراض انسحاب شبيهة بأعراض انسحاب الإدمان على المخدرات.

وقد وصل إدمان البريطانيين على استخدام الكمبيوتر والأجهزة الذكية إلى حد أنهم يفضلونها على ممارسة الجنس مع شركائهم أو أكل كيس من البطاطس المقلية، التي تعتبر من الوجبات المفضلة لديهم.

وفي أول دراسة لتحديد عدد الساعات التي يقضيها البريطانيون في التعامل مع الوسائل الإعلامية والتنكنولوجية المنزلية، ثبت أنه نصف حياتهم تقريبا يمضونها في الاستماع إلى الراديو أو مشاهدة التليفزيون أو تصفح مواقع الإنترنت عن طريق كمبيوتر أو هاتف محمول.

ويبدو أن الروائي الأميركي الراحل ديفيد فوستر والاس قد كان على حق حينما شبه الفعل الانفرادي لمشاهدة التلفزيون بالتسكع مع الأثاث.

ولكن المشكلة لا تكمن فقط في التسكع، بل في إغراءات التسكع التي أصبحت تتحكم في أفكار الناس واهتماماتهم، وفي الغرف الافتراضية التي سهلت الخيانات الزوجية، وساهمت في رفع نسب الطلاق في العديد من المجتمعات، وهذا ما تؤكّده سجلات المحاكم التي تعجّ بدعاوى الطّلاق بسبب الخيانات الزوجيّة، التي باتت تنتشر عبر شبكات الإنترنت.

كان من المفترض أن تجعل التكنولوجيات حياة الناس أكثر كفاءة، ولكن من المفارقات أنها ساهمت في عزلتهم، وحطمت علاقاتهم وأصابت مشاعرهم بالركود والبرود.

يقول قائل إننا في العصر الحالي وفي عهد الغزو الرقمي والتكنولوجي لم نعد مخيرين بقبول التقنيات الحديثة أو رفضها، لأنها موجودة بالقوة في كل ميادين حياتنا، وسواء أحبننا أم كرهنا، فإنه لا يمكننا تجاهلها.

ولكن مهما يكن من أمر، فلن نكون كمن حبس نفسه في دير، إذا ما أغلقنا حواسيبنا وهواتفنا فترات من الزمن، وابتعدنا عن الشاشات لعلنا نتفهم ما يجري عليها بشكل أوضح.

ألا نحتاج جميعنا إلى وقت مستقطع من جماهير الفضاء الإلكتروني كي نعيد ترتيب حياتنا، ويكون لدينا شيء ملكنا، ويمكننا القول إنه لنا وحدنا.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر