الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

حملة المباخر الذين لا يشعرون بالخشب في العيون

كان على الحضور الذين وافقوا على إصدار مجلة 'لوتس' بالإنكليزية والفرنسية والعربية والفيتنامية والأوردية، الإعلان عن بدء إعداد قوائم للكتاب والفنانين ضحايا الاستبداد في الدول الأعضاء، لتكون سجلا لعار سياسي وإنساني.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/05/29، العدد: 10290، ص(11)]

'تنوير انتقائي'

كما تأسست أحزاب مصرية في سبعينات القرن العشرين بقرار رئاسي يستهدف الديكور الديمقراطي، نشأ أغلب اتحادات الكتاب العربية بمكرمات من الحكام. ولو كان ظهور هذه الاتحادات، التي يفترض أنها نقابات، ثمرة نضالات حقيقية لتمتعت بالاستقلال عن السلطات، والندية في مواجهتها، شأن نقابات الصحافيين والمحامين والأطباء وغيرها.

ولا تختلف روابط الأدباء واتحادات الكتاب كثيرا عن أحزاب سياسية، لم تنضجها ديمقراطية من أسفل، من القواعد الشعبية، مثل حزب «الوفد» القديم، في استعصائه على الحل، وتحديه للملك والإنكليز؛ لأن له في كل بيت نصيرا، وفي كل شارع عضوا، في حين يرتهن ما ينشأ من أعلى بالريح العُلوية. ويفترض في الكتاب العرب أن يكونوا أكبر بكثير مما يتوقع من زعماء الأحزاب العلوية.

ليس من مهام الكيانات الثقافية أن تصدر، في نهاية اجتماع لم تنشغل به الحركة الثقافية أو غير الثقافية في مصر، بيانا عنوانه “كتاب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية يدينون الإرهاب ويبعثون برسالة للسيسي”. حظي عبدالفتاح السيسي بوجود اسمه في عنوان البيان الختامي لمصادفة انعقاد الاجتماع في منتجع مصري، وحين يعقد اجتماع قادم في دولة أخرى، ولو خلت من المنتجعات، سيفوز رئيسها بمثل هذه الإشادة، في متن البيان وعنوانه، وسيعربون كذلك “عن تقديرهم للرئيس وامتنانهم له على احتضانه للمؤتمر”.

ليس أكثر من الإرهاب استحقاقا للإدانة، وهي تلاحقه في كل اجتماع بأيّ لغة، وحين يدينه المثقفون فإن الإدانة تظل منقوصة، بل تدينهم أيضا، ما لم تقترن بإدانة أشد للاستبداد الذي يؤدي إلى الإرهاب ويتغذى عليه، يصطنعه أحيانا أو يغض الطرف عن بوادره، لكي يستفيدا بإطالة عمريهما معا؛ فهما أخوة في الرضاع، لهما عدو واحد. ولكن بعض المثقفين لا يتعلمون من التاريخ، تاريخهم الشخصي، ليتجاوزوا خطايا تحالف لم يعتذروا عنه. آخر قران عقد لهذا التحالف كتب بحضور معمر القذافي عام 2009، وتوثق في العام التالي.

وقد دعيت إلى كليهما، واعتذرت بخمس كلمات في المرتين “فيه عاقل يروح للقذافي برجليه؟!”. لن أسميها عبودية مختارة، وقد ارتضى من ارتضى أن يذهب إلى القذافي، ويشيد به “كاتبا ومبدعا” حين أهدى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، بمدينة سرت في أكتوبر 2009، درعه إلى العقيد، بصفته أديبا، وألقيت قصائد في مواهب العقيد، ونظم الاتحاد ندوة عنوانها “النص الأدبي لدى المبدع معمر القذافي”، سال فيها حبر ولعاب مصريين وغير مصريين في حضرة النفط والمال، لا رهبة من سيف المعز المذل الذي يأمر فيطاع فيتضمن البيان الختامي توصية غير ثقافية، تستجيب لأحلام العقيد الذي طالب بضرورة إصلاح الأمم المتحدة، وتحقيق إصلاحات ضرورية في النظام الدولي.

وفي أبريل 2010 ذهبت وفود مؤتمر الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب إلى القذافي، في مدينة سرت أيضا، بمناسبة تسلم جابر عصفور لجائزة القذافي للآداب، في دورتها الأولى والأخيرة، بعد أن رفضها الأسباني خوان جويتيسولو قائلا لعضو لجنة التحكيم صلاح فضل في رسالة منشورة إنه انتقد “بلا توقف الدكتاتورية والعائلات الملكية الجمهورية التي تحكم بينما تجعل شعوبها في فقر وجهل”، ولا يليق بمن يكتب عن الحريات أن يقبل جائزة تحمل اسم دكتاتور.

تخطيط: ساي سرحان

ولكن عصفور تباهى بها، ثم كتب في الأهرام فخورا بالجائزة، وبالرحلة إلى ليبيا التي ردت إليه “ما ضاع من صورة وطني”. في ذلك الاجتماع خطرت للقذافي إحدى أفكاره التي لا تناقش، فتم “تكليف” اتحاد الكتاب العرب بوضع ورقة عمل لسراب اسمه “القمة الثقافية”، وقال الأمين العام للاتحاد آنذاك محمد سلماوي في بيان إنه يرحّب بهذا التكليف، وإن المكتب الدائم للاتحاد سيخصص جانبا مهما من اجتماعاته في القاهرة في يونيو 2010 لصياغة أفكار وقرارات “القمة الثقافية”، إحدى بنات أفكار رئيس للقمة العربية آنذاك وهو العقيد الذي لم يفته أن يذكّر الأدباء العرب بأنهم “طليعة أيّ مجتمع، إذا تحركوا تحرك المجتمع، وإذا سكنوا سكن”.

لا أظن الذين اجتمعوا الأسبوع الماضي، في منتجع مصري مطل على البحر الأحمر، تذكروا النهاية التراجيدية للعقيد، ولا قرأوا الفاتحة على روحه، أو راودت إحدى أفكار “القمة الثقافية” محمد سلماوي، ولا يصح التعلل بالانشغال بمهام تتجاوز الكتّاب العرب، إذ أعيد انتخابه أمينا عاما لاتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، فانتقلت البيانات الفاترة من اتحاد الكتاب العرب إلى هذا الكيان، بالصياغات نفسها، ومنها التعميم المضلل بمطالبة حكومات الدول الأعضاء “بضرورة احترام حرية التعبير والالتزام بحقوق الإنسان، كما أدانوا كل محاولات الاعتداء على الأدباء والكتاب سواء من جانب حركات التطرف الديني أو من جانب الحكومات”، ودعوا “جميع المثقفين الشرفاء في العالم إلى القيام بدورهم في مواجهة الإرهاب بالفكر التنويري وبالثقافة والآداب والفنون”، متجاهلين قوانين غير دستورية، غير إنسانية، سجن بموجبها كتاب مصريون في الأشهر الأخيرة، بتهمتي ازدراء الأديان وخدش الحياء العام.

كان على الحضور الذين وافقوا على إصدار مجلة “لوتس″ بالإنكليزية والفرنسية والعربية والفيتنامية والأوردية، الإعلان عن بدء إعداد قوائم للكتاب والفنانين ضحايا الاستبداد في الدول الأعضاء، لتكون سجلاّ لعار سياسي وإنساني، ثم تصدر بشأنهم توصيات في اجتماع قادم، على أن تتمتع أنشطة الاتحاد بالاستقلال عن الحكومات، وتمارس دورها الرقابي والتوثيقي بما يليق بجلال عمل الكاتب وشرفه، لا بقدرته على التماهي مع كل سلطة، ومرونة ضميره في المراوغة للاستجابة إلى توجهات أيّ سلطات قادمة، والاستعداد لتقديم الخدمات.

من دون هذا الاستقلال، سيكون اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية نسخة مزيدة غير منقحة، لا تسمي الأشياء بأسمائها، فمن يشعر بثقل الخشبة في عينيه لن يجرؤ على الإشارة إلى القذى في عيون السلطة، وسيعمد إلى إرضاء ضميره ببيان مائع يساوي أحيانا بين المستبد وضحاياه، وينتقي من الوقائع ما يرضي السادة، في سلوك له آباء وسدنة أبرزهم جابر عصفور، وكنت شاهدا على اجتماع مثل هذا، في منتجع مثل هذا أيضا، في مؤتمر “كتاب في جريدة” قبل 12 عاما، وإذا كان لديك بقية صبر بعد هذا التشاؤم، فأعد قراءة مقال “جابر عصفور موظف يمارس التنوير الانتقائي”.

روائي من مصر

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر