السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الأزهر والفاتيكان: رسائل اللقاء

لقاء بين الأزهر والفاتيكان حصل بعد سنوات من الجمود في العلاقات المسيحية الإسلامية، منذ التصريحات النارية التي أطلقها البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2006 واتهم فيها الإسلام بأنه دين عنف.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/05/30، العدد: 10291، ص(9)]

في الوقت الذي يجتاز الغرب تحولات كبرى في المزاج السياسي تجاه الإسلام والمسلمين بشكل خاص والمهاجرين بشكل عام، جاء لقاء الأزهر والفاتيكان تعبيرا عن الحاجة المشتركة لدى أتباع الديانتين الأوسع انتشارا في العالم إلى التفاهم وتقريب وجهات النظر، حيث صار هناك اليوم كثيرون ممن يسعون إلى فتح فجوة بينهما، من أجل خلق صدام على أساس ديني، وتشويه صورة الأديان بناء على سلوكات لدى جماعات معينة تريد أن تسلط الضوء على ما يختلف عليه الناس، وليس على ما يشكل منطقة لقاء.

يمثل المسيحيون مليار نسمة وزيادة في العالم، يشكل بينهم الكاثوليك أكثر من النصف؛ ويعتبر هذا العدد الكبير بابا الفاتيكان سلطة روحية تتجاوز سلطات الدولة حيثما يوجد كاثوليك، ويرون أن كلمته من كلمة المسيح عليه السلام وترجمانا لها، ولذلك فإن رسائل البابا تلقى صدى واسعا لدى الكاثوليك. بينما يمثـل الأزهر سلطة دينية في العالم السني، وكان عبر التاريخ رمزا للوسطية والاعتدال، ولعب أدوارا تاريخية هامة في أحلك الفترات التي مرت بها الأمة، كما ساهم في التصدي لتيارات الغلو في تاريخ الإسلام. ورغم الانقسامات في الكتلة السنية في العالم الإسلامي اليوم، ومنازعة بعضها للأزهر، إلا أن هذا الأخير لا يزال يعد مرجعية غير سياسية على الأقل. زد على ذلك أن الكثيرين ممن ينازعونه الشرعية لا يفعلون ذلك من منطلق عدم الاعتراف بمشروعيته، بقدر ما يقومون بذلك لمؤاخذات عليه تمليها مواقعهم السياسية لا أكثر، ولا يختلفون في الحاجة إلى تجديد أدواره التاريخية، وهي حاجة باتت مطروحة أكثر من أي وقت مضى.

ويأتي اللقاء بين هاتين المرجعيتين اليوم في ظروف جد صعبة يجتازها المسلمون والمسيحيون معا. فعلى الجانب الإسلامي توجد جماعات العنف التي حولت الإسلام إلى ما يشبه “الثقافة الطائفية” المغلقة التي لا تقر وجودا لأي جماعة خارجها، وترى في المسيحية عدوا وفي المسيحيين مجرد سبايا وغنائم، إما الإسلام، إسلامهم طبعا، وإما السيف. وعلى الجانب المسيحي توجد ثقافة مسيحية متجذرة في التاريخ تعتبر المسلمين أعداء وخصوما للمسيح وجبت محاربتهم؛ وعلى الرغم من العلمانية الموجودة في الغرب إلا أن الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين لا تزال حية وتجد في كل مرة من يعيد إيقاظها بسبل مختلفة.

الأهم في هذا اللقاء بين الأزهر والفاتيكان أنه حصل بعد سنوات من الجمود في العلاقات المسيحية الإسلامية، منذ التصريحات النارية التي أطلقها البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2006 واتهم فيها الإسلام بأنه دين عنف، ثم التصريحات التي أطلقها نفس البابا عام 2011 إثر التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الأقباط في يناير من نفس العام وخلفت أزيد من 20 قتيلا، حيث وجه البابا إلى الإسلام التهمة إياها. وربما لهذا السبب قال البابا فرنسيس للصحافيين وهو يستقبل شيخ الأزهر أحمد الطيب في مقر الفاتيكان “الرسالة هي أننا التقينا”. ويمكن اعتبار هذا التصريح بمثابة تنكر ضمني لتصريحات سلفه. فالواقع أن تلك المواقف كانت قد أساءت للمسلمين، خصوصا في البلدان الغربية، وأظهرتهم بمظهر المتهم بالعنف والإرهاب لمجرد انتمائهم إلى الدين الثاني الأكثر انتشارا في العالم، فإذا كان البابا يتوفر على سلطة على أكثر من نصف مليار مسيحي، فإن كلامه السلبي عن الإسلام من الطبيعي أن يجد من يتبناه.

في ظل تصاعد موجة اليمين المتطرف في أوروبا، الذي يؤسس مشروعيته الانتخابية والسياسية على الموقف المعاكس لإدماج المهاجرين، خصوصا من المسلمين، ويركز فلسفته الاجتماعية على نزعة الصفاء العرقي، الذي يعكس نزعة الاصطفاء الديني، فإن الفاتيكان يمكنه أن ينهض بدور حاسم في الحد من توسع موجة العداء للإسلام والمسلمين في الغرب. إن عملية التطهير التي تحصل بالعراق وسوريا في أوساط مسيحيي الشرق بسبب الجماعات المتطرفة المعادية للتعايش والتي تفهم الإسلام على أنه سيف على الآخرين، لا يمكنها إلا أن تؤثر على الضمير الجمعي في أوروبا وموقفه من الإسلام والمسلمين؛ ماذا سيفهم الأوروبي عندما يشاهد تلك الممارسات ويسمع أن لديها مبررات من نصوص دينية موجودة لدى المسلمين؟ الجواب معروف، ولذلك فإن مهمة الحوار الإسلامي- المسيحي اتخاذ موقف مشترك من الإرهاب، لا من الدين، وتوعية المؤمنين والمواطنين في الجانبين بأهمية التمييز بين المبادئ الدينية واستعمالاتها عن الإنسانية، ذلك أن المشكلة لم توجد في الأديان، بقدر ما وجدت لدى المتدينين.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر