الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

ما الذي تبقى من الفكر العربي

الفكر العربي صنوف من الخطابات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والتراثية والتاريخية والنقدية التي دارت حول مفهوم واحد هو مفهوم 'التقدم' وحمولاته المفاهيمية.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/05/31، العدد: 10292، ص(14)]

حين نسأل ما الذي تبقى من الفكر العربي؟، فهذا يعني أننا ننطلق مباشرة من أن هناك جزءا منه قد قل أو كثر وفقد أهميته، ولم يعد يسمن أو يغني من جوع.

وقبل محاولة الجواب عن هذا السؤال، نعرّف الفكر العربي المعاصر بأنه ذلك التفكير الذي مارسته النخبة العربية على واقع العرب ومستقبلهم وأنتجت بشأنه نصوصا في الفهم والخلاص. ولهذا غالبا ما يطلق على ذلك الذي يمارس هذا النشاط الفكري بالمفكر. بل قل لقد ولد المفكر العربي من هذا النشاط بالذات. ثم جرى تعميم هذه الصفة “مفكر” على كل كاتب. وبمعزل عن وجاهة هذا الوصف من عدمه، فقد احتل مفهوم المفكر مكانة أثيرة في أوساط القرّاء العرب بوصفه مدحا.

والفكر العربي صنوف من الخطابات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والتراثية والتاريخية والنقدية التي دارت حول مفهوم واحد هو مفهوم “التقدم” وحمولاته المفاهيمية الأخرى أو التي ولدت من رحمه كمفاهيم مثل التأخر والأمة والتاريخ والتراث والتجديد والأصالة والمعاصرة والحداثة والتحديث والدولة والاشتراكية والديمقراطية والمجتمع المدني.

وبالتالي عندما أسأل الآن ما الذي تبقى من الفكر العربي، لا أسأل عما تبقى من القول الذي أنتجه هذا المفكر أو ذاك، ولا الدخول في حوار نقدي مع المكتوب أو نقده، كما فعلنا في كتابنا “أسرى الوهم” أو كما فعل جورج طرابيشي في نقده للجابري، بل أسأل هل مازال مفهوم التقدم وحمولاته المفهومية التي أشرنا إليها، معبرا عن حاجة عملية عربية وصالحة لفض حاضرنا ومستقبلنا، أم أن هذه المفاهيم قد ماتت بموت مرحلة ما أطلق عليها “مرحلة التحرر العربي”؟

إن مفهوم التقدم الذي أسر التفكير العربي على امتداد قرن من الزمان لم يعد هو المفهوم المعبّر عن حاجة قابعة في الواقع، بل إن هذا المفهوم قد حمل دلالات أيديولوجية يتحكم فيها وعي العربي بالغرب على أنه معيار للتقدم.

وصار هذا المفهوم مدخلا لكل الأيديولوجيات التي سادت ردحا طويلا من الزمن بوصفها أيديولوجيات تقدم، كالأيديولوجية الشيوعية التي نظرت إلى التقدم على أنه انتقال من الرأسمالية أو مما قبلها إلى الاشتراكية، أو الأيديولوجية القومية التي لم تر التقدم إلا باعتباره تأسيسا على فكرة القومية العربية الموحدة للأمة، أو الأيديولوجية الإسلامية التي حصرت تقدم العرب في بعث إسلامها، أو الليبرالية التي أكدت على النموذج الغربي للتقدم أو أيديولوجية التراث التي رأت في تحرير التراث وتجديده مدخلا لإنتاج التقدم المنشود.

وعندي إن نقد مفهوم التقدم هذا بكل حمولاته الأيديولوجية صار مطلبا مهما للتحرر من الوعي الخلاصي والمخلصين.

وإذا ما انطلقنا من هذه المهمة، فإننا لن نجانب الصواب إذا ما قلنا، إن الفكر العربي الذي ولد من رحم مفهوم التقدم لم يتبق منه إلا النذر اليسير.

لقد تخفى الجميع وراء هذا المفهوم من أقصى الشيوعيين تطرفا إلى أقصى الإسلاميين أصولية، بل وتحدث به الفاشي والدكتاتور، واشتقت منه صفة تقدمي ونقيضها الرجعي. وباسمه يقف الآن نَفَر من الكتبة ضد الربيع العربي.

ولعمري إن القطيعة مع مفهوم التقدم عبر نقده أمر يحتاجه الوعي العربي للانتقال إلى المفاهيم الأدق في التعبير عن حاجة البشر.

غير أن قطيعة كهذه غير ممكنة دون تفكيكه أولا كما ظهر في الخطاب. وهذا ما سيكون موضوع كلامنا القادم.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر