الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

ظاهرة الانتحاريين

الاستبداد المسلح بالعنف المقدس يغلق أي أفق أمام نهضة العرب، ويدمر بنية مجتمعاتهم وطاقاتهم، من خلال إغراقهم في حروب داخلية، إضافة إلى نشر ثقافة العنف والكراهية، بدلا من ثقافة التعايش والانفتاح.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/05/31، العدد: 10292، ص(15)]

أغلب القراءات التي تناولت ظاهرة الانتحاريين كانت قراءات سياسية، في حين ما زالت قراءات الباحثين في علم النفس التحليلي والاجتماعي نادرة، ما يجعل هذه القراءات ذات بعد أحادي، وبالتالي عاجزة عن تفسير دوافع هذه الظاهرة، على الرغم مما تشهده من توسع وتمدد بشكل غير مسبوق.

تعكس هذه الظاهرة عند أجيال من الشباب العربي المسلم شعورا حادا بأزمة الهوية، في عالم سريع التحول، كما أنها تعبير عن شعور جريح بالهزيمة والضعف أمام سطوة الغرب وحداثته، يجري التعبير عنه بهذا السلوك العنيف بقصد إلحاق الأذى به وتدميره، لاسيما ما يخص مراكز قوته، كما حدث في هجمات 11 أيلول ضد مركز التجارة العالمية والبنتاغون.

في هذا المستوى من الفعل يتداخل العامل الثقافي مع العامل السياسي، تعبيرا عن وطأة الشعور بالمأزق الحضاري، الذي يعيشه العرب ولم يستطيعوا إيجاد مخرج له، الأمر الذي جعل العربي التائه بعد سلسلة طويلة من الإخفاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، يبحث عن معنى لوجوده في عالم تحكمه القوة المركبة، قوة الاستبداد السياسي العربي وقوة الغرب، التي تحمي استبداد الداخل مقابل خدمة مصالحها، ما يجعل هذا الفعل موجها ضد هاتين القوتين في آن معا.

لقد ظل العرب طوال العقود الماضية يراكمون فشلهم، من مشروع الوحدة العربية، إلى مشروع الطريق العربي للاشتراكية، مرورا بزواج الإكراه بين مفهوم الدولة الحديثة والإسلام. هذا الفشل المترافق مع تفاقم الأزمات الاجتماعية والقهر والفساد خلق حالة من انسداد الأفق، وجعل مشروع الدولة الدينية بوصفه تجسيدا لإرادة متعالية، وتحقيقا لنهضة الأمة، واستعادة أمجادها هو الحل الإلهي.

وهكذا كان من الطبيعي في ظل هذا الشعور المرير بالإحباط والضعف، أن تنشأ هذه الظواهر العدمية باعتبارها تعبيرا عن وعي مأزوم، يحاول الانتصار على واقع عدمي بعدمية تخلق لديه وهم الانتصار عليه، خاصة عندما لا تمتلك الذات من أدوات أخرى لتأكيد هويتها، أو قوتها سوى هذا السلوك، للتعويض عن هذا الشعور، الذي يحقق لها نعيم الجنة الموعود أيضا.

إن خطورة هذا السلوك العدمي لا تنبع من طابعه التدميري على مستوى الذات، أو الآخر( الكافر) وحسب، بل من تعميمه لمفهوم الآخر الكافر ليشمل كل مسلم، يختلف معه في الفهم والموقف والمنهج، انطلاقا من وحدانية التمثيل الإسلامي الحق، واعتبار الآخرين خوارج يستحقون القتل. إن هذا الاستبداد المسلح بالعنف المقدس يغلق أي أفق أمام نهضة العرب، ويدمر بنية مجتمعاتهم وطاقاتهم، من خلال إغراقهم في حروب داخلية، إضافة إلى نشر ثقافة العنف والكراهية، بدلا من ثقافة التعايش والانفتاح واحترام إنسانية الإنسان.

ناقد من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر