السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

لغات

الكليشه تأتي عبارة كاملة المعنى ولا يصلح للحديث. من يستخدمه يكُن كمن يستخدم أحجار بناء كبيرة جدا ولا تفي بالمقاس بدقة فينحرف المعنى ليسع الكليشه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/05/31، العدد: 10292، ص(24)]

“467 5871 16 376، 93241 23 725 6319. 3321 67890 5790، 412 2318؟ 602 602”!

الفقرة أعلاه مكتوبة بلغة الأرقام التي يدعوننا إلى اعتمادها لغة أولى لكي نكون عقلاء. رأيت مذيعا في قناة فضائية عربية يزعق قائلا “لا تقل لي عندما ولكن وكيف. حدثني بلغة الأرقام” ففكرت في الاتصال بالبرنامج على الهواء والحديث مع المذيع المنفعل بجملة كلها أرقام لأرى هل سيعتبرني عاقلا حصيفا وهل سيتمكن من الرد أصلا؟وهناك مذيع آخر يتحدث بلغة الأسئلة. تتفرج على برنامجه فيصدمك بسلسلة أسئلة دون أن يترك لك فسحة لتلتقط أنفاسك. برنامج يفترض أن يخبرك لكنه يسألك؛ “لماذا قررت السعودية ألّا تخفض إنتاج النفط؟ ولماذا لا يتفق الفرقاء في سوريا؟ وأين ذهبت أموال المعونات الأوروبية؟ هل دخلت الجيوب أم أنفقت في ما لا جدوى منه؟”، كل هذا وأنت جالس في بيتك ترعى شأنك ولم تتحرش بأحد. أنا دائما أجيب المذيع قائلا “أقسم أني لا أعرف. أنت الإعلامي وأنا مسكين جالس في البيت. منك المعرفة وعلينا الإصغاء”.

حتى الألم والعذاب لهما لغة. يصفها يوسف ادريس، وهو كما تعرفون طبيب، ونقل منها شيئا في حكاية جميلة اسمها “لغة الآي آي”. في ردهات المستشفيات يتحدثون تلك اللغة بطلاقة ويفهمها الأطباء وطاقم التمريض. وهي لغة لم ينتج عنها أثر أدبي حتى الآن ولا توجد فيها مفردات لوصف الطبيعة أو الغزل أو النقد البناء. لغة قائمة على الشكوى والألم فقط. للتوجع لغة مفرداتها محدودة تتراوح بين آخ وآي وآه.

اللغة الأوسع انتشارا هي لغة الكليشهات. والكليشه كما تعرفون هو قول كان جميلا ومؤثرا لكن الألسن لاكته حتى صار مبتذلا. الابتذال يميز الكليشه. وما أتذكر من قال “أول من شبه خد الحبيبة بالتفاحة كان ملهَما وثاني من قالها كان مضجرا وسخيفا”.

الكليشه تأتي عبارة كاملة المعنى ولا يصلح للحديث. من يستخدمه يكُن كمن يستخدم أحجار بناء كبيرة جدا ولا تفي بالمقاس بدقة فينحرف المعنى ليسع الكليشه.

هناك حكاية عن أن رئيس أول وفد عراقي إلى الأولمبياد في الأربعينات وقف خطيبا أمام الوفود المشاركة وأراد أن يقول شيئا بليغا يليق بالحدث. حمد الله وأثنى عليه ثم قال “ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع” ولا نعرف من يعني ومن مآله السقوط بعد ارتفاع، ربما بريطانيا أو الولايات المتحدة. بعد هذه العبارة توقف صاحبنا قليلا ليبحث عن عبارة أبلغ ينهي بها كلمته الوجيزة.

وجد بغيته في عبارة رائعة. أشار إلى الوفود المتسابقة بحركة واسعة من يديه وقال ” اللهم اجعل بأسهم بينهم شديدا واهلك الظالمين بالظالمين”. وهو طبعا لا دور له ولا لوفده في هذا، سيكتفي بالتفرج بينما يقع البأس الشديد بين الآخرين.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر