الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

حزب التحرير: اغتراب 'حزب' واستضعاف 'دولة'

استصحاب الخلافة الإسلامية اليوم كترياق لقضايا راهنة وإسقاطها على حالة مدنية بعيدة كل بعد عن مرحلة “الخلافة” هو من قبيل تطويع الزمن المعيش للأفكار، لا تطويع الأفكار للزمن المعيش.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/02، العدد: 10294، ص(9)]

مشكلة حزب التحرير في عمقها وجوهرها هي مشكلة الدولة التونسية العاجزة عن البت في مصير كيانات سياسية هي أبعد ما يكون عن “الأحزاب” وأنأى ما يكون أيضا عن مفهوم المجتمع المدني.

حزب التحرير نموذج من نماذج “الحداثة المغلوطة والمزيفة” حيث تحافظ الكيانات السياسية في العالم العربي على علاقاتها الوشائجيّة (القبيلة، الطائفة، الدين) وعلى كينونة ما قبل الدولة لتتدثّر بعناوين راهنة من قبيل الحزب السياسي والتجمعات المدنية.

إشكاليّة الفصل بين الدعويّ والسياسي لا تمثل فقط معضلة حركة النهضة، بل تشكل صداع الدولة التونسية من حيث عدم سعيها فقط إلى فصل الدعوي مجسدا في الخطاب المسجدي عن السياسي مكرسا في الرهانات والحسابات السياسية الضيقة، وإنما أيضا في تعميم هذا الفصل بين السياسي والدعوي لدى الأحزاب المحلية ويبدو أن حزب التحرير يجسد أكبر عناوين هذا الخلط.

قضية “الخلافة” الإسلامية هي مسألة تاريخية وقضية “تأريخية” بالإمكان معالجتها ضمن سياق علمي لاستجلاء مواطن الخلل والصواب في مرحلة زمنية من التاريخ العربي الإسلامي، بيد أنّ استصحابها اليوم كترياق لقضايا راهنة وإسقاطها على حالة مدنية بعيدة كل بعد عن مرحلة “الخلافة” لهو من قبيل تطويع الزمن المعيش للأفكار، لا تطويع الأفكار للزمن المعيش.

استحقاق حزب التحرير كامن في تصيير الخلافة الإسلامية العامة إلى استخلاف بشري لقيم العدالة والأمانة والحرية والكرامة الإنسانية والتنمية، وهو فعل يحوّل مفهوم “الخلافة” من سياق “الترف” الفكري والمزايدة السياسية وحتّى الدينية التي يأتيها حزب التحرير حيال الدولة والفاعلين المدنيين، إلى تكريس فعليّ حقيقي ذاتيّ مبني على القيم الفعليّة لا العناوين الرنانة.

مقولات “نهايات التاريخ” هي مقولات صناعة الاستبداد والعنصريّة وحتّى الإبادة. كما أنّ المقولات “الانتظاريّة” من قبيل “المهدي المنتظر” و”الخلافة القادمة” و”قدوم المسيح”، هي مقولات الانسحاب من الحياة وإعلان الاستقالة الجماعيّة من ضروب التفكير في الحلول المادية للخروج من مشكلات الرّاهن المعقّد إلى درجة لا يمكن اختزال تسويته إلا ضمن “الكتلة التاريخية” السياسية والفكرية والاقتصادية والاستراتيجية وفق مقولة الجابري وقبله غرامشي.

يعيش حزب التحرير غربة سياسية من حيث المنطلقات والشعارات، وهي غربة مختارة من لدنه بعد أن أدرك أنّ الأطروحات السياسية الكبرى تغيرت بمقتضى الواقع (القومية، اليساريّة الاشتراكية، اليسارية الشيوعيّة الليبراليّة، الإسلام السياسي بدرجة معيّنة) وهو ما ضمن لها الديمومة والاستمرار، فيما بقي الحزب بين مطرقة “التغيير” الذي يذهب بكلياته، حيث رهن نفسه في مقولة الخلافة، وبين التمسّك الذي يأتي على فلسفة الوجود، حيث أنّ الزمان يغيّر في كلّ شيء إلا في مسبّب الوجود.

ينظر رضا بلحاج الناطق باسم حزب التحرير في جغرافيا استراتيجية عربية إسلامية صهرت مقولة الخلافة بنار الحرب والدماء والدمار، فلئن كانت التنظيمات التكفيريّة وعلى رأسها داعش تبيد التاريخ والثقافة والآثار والأنثروبولوجيا والفن باسم “الخلافة الإسلاميّة”، فإن مجلس الأمن الدولي يستعد لقرار الاعتراف بمذبحة الأرمن على يد قوات الخلافة العثمانيّة إبان الحرب العالمية الأولى، وفي الحالتين كانت الخلافة الإسلاميّة في العصر الحديث “سكينا وذباحا”.

على وقع اضطراب الدولة يستعدّ حزب التحرير لإطلاق مؤتمره الخامس، المفارقة أنه الكيان السياسي الوحيد الذي ينظم مؤتمراته بشكل سنوي ودون أي مشكلات ولا انشقاقات حاصلة، وهو يعود إلى انعدام الحراك السياسي والفكري داخله، وليس إلى توافق مبني على قوة الحوار العقلاني الحجاجي.

في المحصلة الدولة بين خيارين اثنين؛ إما أن تمنع المؤتمر وأن تسحب التأشيرة من الحزب إلى حين إعادة التفكير وإجراء المراجعة في رؤاه، أو أن تقر بوجود شكل ثان من “الفاعلين السياسيّين” في تونس اسمه “الكيان السياسي” على غرار حزب التحرير، الاسم حزب والمضمون ارتداد وردة وتعاقد وشائجي ومقولات لما قبل الدولة وما بعدها.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر