السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

عقول التلاميذ ليست بطاريات

لا يوجد دليل صيانة للأدمغة البشرية ولا وصفة سحرية للنبوغ والعبقرية، حتى يعدل الآباء ما لم يعجبهم في أدمغة أطفالهم، فيضيفون إليها أجزاء ومكونات، ويقولبونها وفق ما يريح بالهم ويضمن لهم النتائج المرجوة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/06/03، العدد: 10295، ص(21)]

تصرّ أختي بكل أساليبها الترغيبية والترهيبية على ابنها ليحفظ المواد الأدبية، وتسأل نفسها مرارا وتكرارا عن السبب الذي يجعله يتقاعس عن حفظها عن ظهر قلب كما كانت تفعل هي عندما كانت في سنه.

وعلى الرغم من جهودها المضنية في تلقينه يوميا ما يدونه في كراسه المدرسي، إلا أنه يوم الامتحان يتبخر كل ما خزنته له في ذاكرته الصغيرة، فيحصل على علامات ضعيفة، تكدر صفوها وتجعلها تتحسر على وقتها الذي هدرته هباء.

ولكن ابنها البالغ من العمر عشر سنوات يجيبها في كل مرة على تقريعها المستمر الذي قد يضايقه أحيانا وأحيانا أخرى يتعامل معه بلا مبالاة قائلا “سأحصل على عدد أفضل في المرة القادمة”، ولكنه يبقى على نفس المستوى المعهود ولا يبدي أي تحسن يبدد به ما ينغص حال أمه ويكدر صفوها ويجنبه العقاب اللفظي والجسدي.

وقد حاولت سؤاله في إحدى المرات عن أسباب نفوره من تلك المواد وعدم حصوله على علامات جيدة بالمقارنة مع علاماته في الرياضيات، فتململ وتنفس الصعداء ثم أفصح عما لم يبح به لأمه قائلا "إنني أكره تلك المواد.. إنها مملة وتصيبني بالصداع".

إجابته كانت واضحة وجلية، ولكنها قد لا ترضي طموح أمه التي تريد أن تفعل ما بوسعها من أجل أن ترى ابنها ناجحا في دراسته. وأعظم شيء يخيفها هو حالة النسيان التي لا تتوافق مع عمره الذي من المفروض أن تكون فيه ذاكرته وقادة وأكثر نشاطا وقدرة على استيعاب المعلومات.

وهي محقة إلى حد ما، فالطفل في مراحل عمره الأولى تكون لديه مهارات ذاكرة جيدة، وقدرة أكبر على الاستيعاب وتخزين المعلومات، ولكن هذا لا يعني أنه يجب أن يكون بمثابة جهاز كمبيوتر، حيث تُخزن المعلومات في دماغه بشكل منظم، وبالتالي يمكن استعادتها بضغطة زر واحدة.

للأسف لا يوجد دليل صيانة للأدمغة البشرية ولا وصفة سحرية للنبوغ والعبقرية، حتى يعدل الآباء ما لم يعجبهم في أدمغة أطفالهم، فيضيفون إليها أجزاء ومكونات، ويقولبونها وفق ما يريح بالهم ويضمن لهم النتائج المرجوة.

وهذا لا يعني أيضا أن الأطفال الذين يظهرون في مراحل الدراسة الأولى عدم القدرة على الحفظ وتذكر المعلومات غير أذكياء أو لديهم خلل عقلي، والدليل أن عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين لم تظهر عليه في طفولته أي بوادر ذكاء، ولكنه فاجأ العالم بنظرياته حول الفضاء والزمن والمادة، التي قلبت المفاهيم السائدة عن الكون وأثرت تأثيرا عميقا على المجتمعات الإنسانية.

ولهذا فالعيب في الطرق التي يدرس بها التلاميذ سواء من قبل آبائهم أو المدرسين أنفسهم، المعتمدة بالأساس على الأساليب التلقينية للمعلومات، ومثل هذه المناهج ترهق عقولهم وقد تقتل لديهم مهارات الإبداع. والملاحظ اليوم أن أغلب التلاميذ يعتمدون على حفظ المعلومات عن ظهر قلب، ليس في المواد الأدبية فقط بل حتى العلمية أيضا. وأسلوب الحفظ، لا يجعل فقط من الامتحانات مجرد اختبار لذاكرة التلميذ، وليس لقدراته على الفهم والاستيعاب والتحليل، بل ويرهقه ويقتل لديه الرغبة في التعلم.

وعدم قدرة التلميذ على تذكر المعلومات واسترجاعها بشكل جيد يعود بالأساس إلى غياب الروابط والمحفزات ذات الصلة بالمعلومات التي نريد منه أن يتذكرها.

ونقصد بذلك عدم الاستخدام للرموز والصور والمخططات التوضيحية والمبسطة التي تساعد على التذكر، بالإضافة إلى غياب التقسيم لوقت التعلّم لعدة جلسات، والاعتماد فقط على حشو الدماغ بالمواد الدراسية بشكل مكثف.

ولذا، فإن أهم نصيحة يقدمها الخبراء للآباء والمدرسين هي ضرورة خلق أجواء تكاملية في العملية التعليمية في ما بينهما، خاصة في المراحل الأولى من التعليم، وذلك عبر توفير الظروف المناسبة والأداوات الضرورية لنمو ملكات ومهارات الطفل العقلية. وهذا لا يكون إلا بالكف عن حشو أدمغة التلاميذ بأشياء غير مفيدة، ومنحهم الوقت للاستمتاع بطفولتهم.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر