السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

لماذا نُظِمت بذاكَ القدّ

يخطئ من يعتقد أن طاقة التغيير لا تكمن إلا في القوة المباشرة. فالموسيقى تملك تلك الطاقة وتحسن قيادتها في الاتجاه الصحيح للتاريخ.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/06/03، العدد: 10295، ص(24)]

حضرت حفلاً للموسيقار الصوفي المسيحي الصديق عابد عازرية. في الواقع لم أحضره، بل كنت مع عابد في بروفاته الشاقة، وحين افتتح رسمياً لم أذهب.

كان عازرية قد قال قبل الحفل في حواره معي، بأن صوت فيروز قد انتهى منذ سنوات طويلة، وأن صوت أم كلثوم “نشاز” و“تجاري”. وهاجم الجمهور العربي بسبب نظرته إلى الفن كتسلية وترفيه فقط. وقال إنه ليس على استعداد لأن يركب دراجة هوائية ويرنّ بجرسه ليدعو الناس للاستماع إلى موسيقاه، وأن الفن العربي اليوم هو “شغل كباريهات”. فانقلبت عليه الدنيا، وتم تكفيره (موسيقياً) بسبب هذه الآراء.

أثار الاهتمام أول مرة بتأليفه موسيقى طويلة مهيبة، رافقها أداؤه المشهدي لملحمة جلجامش، كان قد قدّمها أوائل السبعينات. ومازلت حين أرغب باستحضار أنكيدو وسيدوري، لا أتذكرهما سوى من خلال صوت عابد.

أردت أن أستفز عابد أكثر، وهو العالم الموسيقي المتخصص الذي اختار الموسيقى النخبوية الرفيعة منذ البدايات، فسألته: ألستَ معجباً بفنانين جماهيريين مثل جورج وسوف وغيره؟ فارتسمت الصدمة على وجهه وشردت عيناه في الفراغ. شعر وكأني قد طعنته في خاصرته، فقال “لا يا رجل!”.

ومن تلك الـ“لا” المستنكرة ومن “المولد النبوي” الذي كانت أمّه تأخذه إليه في طفولته، غادر عابد في بداياته إلى باريس. لينكبّ على الشعر العربي، مقدما أعمال ابن الفارض والخيام والسياب وآخرين. فغنت معه آنا فيليب وبيدرو أليدو وغيرهما، حتى صارت أغانيه فلامنكو أندلسياً يحتفل بالحياة.

يخطئ من يعتقد أن طاقة التغيير لا تكمن إلا في القوة المباشرة. فالموسيقى تملك تلك الطاقة وتحسن قيادتها في الاتجاه الصحيح للتاريخ. وحين قرّر عابد أن يلحّن الإنجيل والقرآن لم يكن يريد لمقدّسات أن تتكسّر، بقدر ما أراد لها أن تتحرّر.

في أسطوانته “نصيب” الأبيات تتكرر بالعربية والأسبانية، راقصة وحدها على خشب تشعله الكعوب بطقطقاتها مع صفقات الأكف. كلمات عثر عليها عابد لشاعر أندلسي مجهول تقول “لماذا نُظِمَتْ بذاكَ القدِّ/ من المحاسن نظم العقدِ؟/ غُصنٌ وبدرٌ وشمسُ السَّعدِ/ بدا فأغشى عيون الإنسِ/ وجهٌ عليه رداءُ الشمسِ/ صباحٌ موعدُهُ لا يُمسي”.

ورغم إعجابه الكبير بمنير بشير إلا أنه يروي أن الموسيقار العراقي الراحل حين سمع جلجامش قال له معاتبا “يا أخي حرام عليك. أنت أًصلك حلبي، لماذا لم تُدخل قَدّاً من هنا، لحناً معروفاً من هناك؟ حتى تفرقع الناس بأصابعها حين تسمع”.

لكن ومع ذلك حين تسأل عابد عن التطريب الذي صنع به مقولة المسيح الشهيرة “مملكتي ليست من هذا العالم”، يقول لك بنبرته الحلبية التي لا تقاوم النغم “لا.. يوجد فقط تطريب بسيط على السريع”.

رأيتُ عابد يتشارك بالتمايل نشوة مع مقامات مؤذّن داخل مئذنة الجامع الأموي في حلب التي لم تعد موجودة الآن. ولكن أي شيء يصنع المستقبل مجددا أفضل من البناء الهندسي للعالم بالموسيقى والكلمات والأفكار والخيال والعلم معا؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر