الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الأرمن وتركيا: سجال الذاكرة والتاريخ

كل ذاكرة مبنية على التأريخ هي ذاكرة قريبة للمصالحة بين الوطن ومحيطه، وكل تاريخ مبني على الذاكرة، الشاكلة التركية، يفضي إلى تشويه في التمثل والتصور وإلى هويّة سياسية قلقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/04، العدد: 10296، ص(8)]

هناك فرق بين التّاريخ والذاكرة، هذا ما تؤكده القراءات الأنثروبولوجية والإثنولوجيّة، فلئن كانت عملية “التأريخ” منظومة تحرّ وتقصّ في الأحداث ومقاربة توثيق لشواهد الماضي، فإنّ الذاكرة فعل اختياري اختزالي لمحطات الزمان المنقضي استحضارا لسرديّة هوياتيّة – طائفية أو قومية عنصرية – تقوم على تمجيد الذات وتقديس الأنا الجماعية.

أحيت تركيا الأردوغانية، وهو من حقّها، ذكرى فتح القسطنطينية على أيدي الجيوش العثمانيّة المسلمة في احتفالية مليونية ركّزت على عظمة القوميّة التركية أكثر من عظمة الإسلام في قدرته على الوصول إلى وجدان الإنسان قبل السيطرة على المكان.

منذ 2011 ورجب طيب أردوغان يتمثّل نفسه “نصف رئيس”، “نصف سلطان”، له من انتخاب المصوتين والمقترعين ضمن انتخابات رئاسية عامة كينونة المسؤول السياسي، وله من تشييد القصور الملكيّة واستحضار ألبسة الجيوش الانكشاريّة للجيش التركي، المدافع عن العلمانيّة، إضافة إلى تلازمية الانقلاب لديه على كل رفيق في “طريق العمامة” و”درب الزعامة”، مياسم السلطان العثمانيّ الذي يعتلي كرسي العرش في الباب العالي بثنائيّة الترغيب والترهيب ولا تنصاع له الإمارة إلا عبر استبعاد القريب وتنفير البعيد.

ولأن أردوغان سعى إلى تحويل التاريخ العثماني إلى ذاكرة للشعب التركيّ يهرب عبرها من استحقاقات الحاضر وإكراهات الجغرافيا والضغوطات الاقتصادية والعمليات الإرهابية التي طالت عمق إسطنبول والعاصمة أنقرة، فإنّ البرلمان الألماني أعاد السجال من الذاكرة إلى التاريخ عبر الاعتراف بإبادة الأرمن على يد قوات الخلافة العثمانيّة إبان الحرب العالمية الأولى.

يدرك أردوغان أن تصويت البرلمان الألماني على هذا القرار يمثل صفعة قوية لتركيا في ملفين مترابطين ببعضهما البعض، الأول متمثل في إطلاق برلين لرصاصة الرحمة على أنقرة حيال ترشحّها لعضوية الاتحاد الأوروبي، حيث أن ألمانيا الدولة التي تمثل الداعم الأبرز والأهم للجهود التركية لدخول النادي الأوروبي باتت اليوم في الطرف المقابل للمطلب التركي.

والثاني كامن في أن القرار هو امتداد لرفض المنتظم الأوروبي إعفاء الأتراك من تأشيرات دخول إلى الفضاء الأوروبي وهو مقدمة لنقض الاتفاق التركي الأوروبي القاضي بمنح أنقرة 6 مليارات دولار، مقابل إيواء اللاجئين السوريين والحيلولة دون وصولهم إلى الجغرافيا الأوروبية.

صحيح أن تركيا لم تنفذ تقريبا شيئا من جملة تعهداتها لدخول النادي الأوروبي، إلا إذا استثنينا “تحييد” الجيش عن الحياة السياسية، فلا حرية الصحافة مؤمنة ولا استقلالية القضاء مصونة، إضافة إلى تعقد الأزمة الكردية بشكل أصبح خيار الانفصال عن تركيا ضمن كردستان الشرق الأوسط (سوريا والعراق وتركيا) فرضية واردة جدا بعد انخراط أنقرة في المشهد العسكري في سوريا لصالح المجموعات الإرهابية.

غير أن الأصح كامن في أن ملف إبادة الأرمن شكّل ولا يزال العقدة المعضلة في مسار تأسيس تركيا لدبلوماسية “الصفر مشاكل” وفتحها لصفحة جديدة من علاقات التعاون والشراكة مع محيطها الإقليمي.

اليوم، تعلن تركيا الحرب الدبلوماسية على ألمانيا، إذ أنها سحبت سفيرها من برلين ويبدو أنها تحضر لخطوات أخرى نرجح أن يكون التملص النهائي من قضية المهاجرين السوريين العنوان الأبرز، ولكن على أنقرة أن تدرك أن الحروب الشاملة منطق اللامنطق، وأن القفز على حقائق التاريخ منطق العنصريين ومنطوق المعتزين بالجرائم الإنسانية.

المفارقة في هذا السياق أنّ الذاكرة الواقفة وراء السردية التركية العثمانية للأحداث والمتمحورة حول التفوّق الحضاري والتمايز الثقافي، هي التي تقف اليوم أمام التاريخ وتحول دون إعادة الاعتبار للوقائع والحقائق الحاصلة بالدليل والإثبات.

كل ذاكرة مبنية على التأريخ هي ذاكرة قريبة للمصالحة بين الوطن ومحيطه، وكل تاريخ مبني على الذاكرة، الشاكلة التركية، يفضي إلى تشويه في التمثل والتصور وإلى هويّة سياسية قلقة ترفض التصالح مع النفس والمصالحة مع الآخر.

خياران أمام تركيا، إما تقديم التاريخ على الذاكرة فتراجع الماضي لتتصالح مع محيطها ومع مستقبلها كدولة قوية وفاعلة في الشرق الأوسط، وإما أن تقدم الذاكرة على التاريخ فيعزلها ماضيها عن زمانها وفضائها الاستراتيجي، وفي الأخير ستعترف بعلوية الحقيقة التاريخية على سردية الذاكرة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر