السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

'جيل الإيجار' يتوق إلى المسكن ولا يجد إليه سبيلا

  • الخبراء ينوهون بقيمة المسكن الصحي في حياة الإنسان، ودوره في تحقيق الاستقرار للأفراد والرخاء للمجتمعات، فيما تكشف الإحصائيات الجديدة عن توسع ظاهرة السكن العشوائي الذي يفتقر إلى الحد اللازم من الخدمات.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/06/07، العدد: 10299، ص(21)]

حياة بين الأموات

لندن- أصبح امتلاك مسكن هدفا صعب المنال بالنسبة إلى العديد من الأسر، خاصة في ظل غلاء المعيشة، وتدني فرص الحصول على وظائف مريحة ماديا. وسلطت العديد من التقارير التنموية والاقتصادية الدولية الضوء على التفاوت الكبير بين دخل الفرد وكلفة السكن، سواء كان ذلك عن طريق الملكية أو حتى الإيجار.

ومع وجود أسعار تبلغ أحيانا ضعف الراتب السنوي للفرد متوسط الدخل بالمئات من المرات في بعض الدول، وفي ظل غياب أنظمة لتمويل شراء المساكن، أصبحت القدرة على شراء منزل في تراجع مستمر. ونجم عن غلاء أسعار التملك والإيجار توسع ظاهرة السكن العشوائي الذي يفتقر إلى الحد اللازم من الخدمات.

وعلى الرغم من إعلان الأمم المتحدة عام 1987 كعام دولي لإسكان من لا مأوى لهم، إلا أن نحو 15 بالمئة من سكان العالم يقطنون العشوائيات. كما أشارت المنظمة في تقرير لها أنه بحلول عام 2050 قد يصل سكان المناطق العشوائية إلى 3.5 مليار نسمة من مجموع حوالي 6 مليار نسمة، وهم سكان المناطق الحضرية.

وتنتشر الأحياء العشوائية في معظم المدن العربية الرئيسية، وتعاني غالبا من تردّي أوضاع البنية التحتية وتفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية. وكانت دراسة سابقة أجراها المعهد العربي لإنماء المدن قد كشفت عن وجود نحو 60 بالمئة من العشوائيات في المجتمعات العربية، وتوجد على أطراف المدن، و30 بالمئة توجد خارج النطاق العمراني، و8 بالمئة وسط العواصم.

وليس التعايش بين الأحياء والأموات بالظاهرة الجديدة على المصريين الذين يوجد من بينهم حوالي 17 مليون شخص يسكنون العشوائيات، فيما يسكن 18 بالمئة من أسر العشوائيات في غرفة واحدة. ويعيش قرابة مليون ونصف المليون من المصريين في المقابر، وتعد مدينة الأموات التي يقدَّر مجمل عدد سكانها بنحو ربع مليون نسمة أكبر دليل على أزمة الإسكان الحادة في القاهرة. ولا يكاد الوضع يختلف كثيرا في بلدان المغرب العربي التي تشهد تزايدا سكانيا سريعا، فقد كشفت الوكالة الفرنسية للتنمية عن تنامي عدد المنازل العشوائية في البلاد التونسية التي يقدر عدد سكانها بـ11 مليون نسمة، يعيش 70 بالمئة منهم في المدن.

53 مليون نسمة عدد سكان دول الخليج بحلول عام 2020

وتسعى وزارة السكنى وسياسة المدينة بالمغرب إلى الرفع في بناء وحدات السكن حتى يبلغ 170 ألف وحدة سكنية خلال العام الحالي من أجل سد العجز المُلحّ في المساكن، وإيواء قاطني دور الصفيح والأحياء غير القانونية والبنايات المهددة بالانهيار.وأشارت الوزارة إلى أنه منذ إطلاق برنامج السكن الاجتماعي لذوي الدخل المحدود، والذي يبلغ سعره 25 ألف دولار، تم التوقيع على 849 اتفاقية مع المطورين العقاريين من أجل إنجاز أكثر من 1.36 مليون وحدة سكنية. وتشهد دول مجلس التعاون الخليجي؛ السعودية والكويت والبحرين وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة، أسرع معدلات للنمو السكاني في العالم. ويقول تقرير لوحدة المعلومات الاقتصادية أنه بحلول عام 2020 من المتوقع أن يسجل إجمالي عدد سكان دول الخليج، بما في ذلك اليمن، زيادة بواقع الثلث، ليصل إلى 53 مليون نسمة.

وفي هذا الصدد أصدر الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات في عام 2012 قانونا يقضي بإنشاء هيئة أبوظبي للإسكان من أجل توفير السكن للمواطنين المستحقين، وتنفيذ استراتيجيات متكاملة لتطوير قطاع الإسكان والاهتمام به باعتباره أحد أبرز أعمدة الاستقرار المجتمعي. ونفذت الهيئة منذ تأسيسها مجمعات سكنية متكاملة وحديثة في إمارة أبوظبي والعين والمنطقة الغربية وفقا لأعلى معايير الجودة والاستدامة.

ليس التعايش بين الأحياء والأموات بالظاهرة الجديدة على المصريين الذين يوجد من بينهم حوالي 17 مليون شخص يسكنون العشوائيات

أما في المملكة العربية السعودية فقد أصدر الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في عام 2011 أمرا ملكيا بإنشاء وزارة الإسكان بهدف تيسير حصول المواطن السعودي على مسكن، إلا أن امتلاك المنزل مازال يمثل تحديا كبيرا بالنسبة للمواطنين في المملكة التي يسكن أكثر من نصف شعبها في منازل مستأجرة. وكشف تقرير أجرته شركة “ألبن كابيتال” ويحمل عنوان “قطاع البناء في دول مجلس التعاون الخليجي” أن نحو 30 بالمئة من السعوديين فقط يمتلكون منازل، في حين تعيش النسبة الباقية من السكان بمساكن مؤجرة أو تعتمد على الوحدات السكنية التي تقدمها لهم الشركات التي يعملون بها.

وكانت دراسة سابقة أعدّها دافيد أ. سميث وأنغوس فريمان، صدرت عن مركز الخليج للأبحاث (قسم جامعة كامبريدج)، قد أشارت إلى أن قضية السكن باتت موضوعا شديد الأهمية بالنسبة إلى منطقة الخليج التي تشهد تغييرات ديموغرافية واجتماعية وحضرية متواصلة. وقدم الباحثان البريطانيان تعريفا مميزا للمسكن باعتباره التعبير المكاني لقيم مجتمع ما وأخلاقه والتزامه بتحقيق معادلة مجتمع يسع الجميع.

إلا أن هذا التعريف لا يوجد امتداد له في المجتمع العراقي الذي مزقته الحروب والأحزاب إيران الطائفية والتنظيمات الإرهابية، حيث تم تشريد الآلاف من العائلات من منازلها. كما ساهم الفساد المالي والإداري في زيادة العشوائيات. وقدر الجهاز المركزي للإحصاء عدد سكان العشوائيات بحوالي مليونين وأربعمئة ألف نسمة، ويشكلون حوالي 6.9 بالمئة من مجموع السكان. ونبه علماء الاجتماع إلى أهمية المسكن الصحي في حياة الإنسان ودوره في تحقيق الاستقرار النفسي للأفراد وتماسك المجتمعات ورقيها.

ويخشى بعض الاقتصاديين من أن تؤدي زيادة عدد الأفراد المجبرين على الانتظار طويلا حتى يتمكنوا من شراء منزل، إلى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، الأمر الذي قد يهدد بخطر احتمال عجز مجموعة ضخمة من الشباب ممن أطلقوا عليهم تسمية “جيل الإيجار” عن تحمل تكلفة شراء منزل مع بلوغهم سن التقاعد. ولكن الأخطر من هذا كله بالنسبة لعلماء النفس أن عدم القدرة على امتلاك المنزل الذي يمثل في جميع المجتمعات أهم الضرورات الإنسانية، يعزز الإحساس بالتهميش الاجتماعي، مما يدفع إلى الانحراف والجريمة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر