الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

استفتوا قلوبكم

قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي قرار خطير ومعقد. الحسابات فيه صعبة جدا والمواضيع التي يشملها متفرعة وحيوية. لكن خبراء السياسة العارفين (أعني البرلمانيين) قرروا فجأة أن هذا القرار سيكون بيد الشعب مباشرة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/06/07، العدد: 10299، ص(24)]

قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي قرار خطير ومعقد. الحسابات فيه صعبة جدا والمواضيع التي يشملها متفرعة وحيوية. لكن خبراء السياسة العارفين (أعني البرلمانيين) قرروا فجأة أن هذا القرار سيكون بيد الشعب مباشرة.

لا يمكن للمرء أن يقيم في بريطانيا ويتفادى التفكير في الاستفتاء على المكوث في الاتحاد الأوروبي أو الرحيل. شخصيا لا أستطيع التفكير في أي شيء عدا الاستفتاء. الحديث عنه في كل مكان مثل الهواء أو مثل طنين ذبابة قررت أن تقاسمك الغرفة. الإعلام والمعلقون عندهم طريقة يحملونك بها على الترقب والانشغال بأي موضوع يختارونه. يستطيعون أن يجعلوك متحمسا مترقبا نتيجة أي شيء. حتى لو لعبت ألمانيا مع إرتريا مباراة كرة قدم سيحملونك على ترقب اللعبة وعلى أن تجلس قارضا أظافرك بأسنانك منشغلا بالنتيجة وبمن سيفوز.

المسألة هي أني ناقم على الاستفتاء وكل صباح ومع أول رشفة قهوة، أرسل الاستفتاء وأرسل من دعا إليه إلى الجحيم. لكني لا أستطيع أن أوصد عليه بابا. الدماغ يشرع أبوابه للنكد والغيظ بعد الاستيقاظ بخمس دقائق. لا أستطيع أن أفكر في سواه، حاولت وحاولت، فقررت أن أنكد على القراء. النكد ينشطر إذا تقاسمته.

نتيجة الاستفتاء محسومة وستكون لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يمنع المعلقين من إلهاب ظهورنا بسياط الحث والتحفيز لكي نقلق وننشغل، مثل مباراة ألمانيا وإرتريا. الذي يشغلني ليس النتيجة بل فكرة الاستفتاء نفسها؛ أعني لماذا الاستفتاء أصلا؟

بريطانيا نظامها ديمقراطي برلماني وليس نظاما ديمقراطيا استفتائيا. يعني أن الناس انتخبوا عبر اقتراع نزيه تماما مجموعة نواب يمثلون الشعب وللشعب أن يخلعهم إذا لم يؤدوا المطلوب منهم. وهكذا تتخذ القرارات في مواضيع خطيرة مثل إعلان الحروب. البرلمان سيد مطاع وصوته صوت الشعب وله أن يقرر. انتخبنا أعضاءه ليقرروا ويفكروا ويحسموا. لماذا الاستفتاء؟

قرار مغادرة الاتحاد الأوروبي قرار خطير ومعقد. الحسابات فيه صعبة جدا والمواضيع التي يشملها متفرعة وحيوية. لكن خبراء السياسة العارفين (أعني البرلمانيين) قرروا فجأة أن هذا القرار سيكون بيد الشعب مباشرة. الشعب كله من سائقي تاكسي إلى مصلحي أحذية ونادلي المقاهي إلى باعة ألعاب كومبيوتر.

ليس هذا ازدراء للجمهور الكريم. معظم أصدقائي من الجمهور، بل أنا من الجمهور. لكني أعرف أنهم مزاجيون. الشعب البريطاني بكل ما أوتي من حكمة عصف به إعصار تافه مثل رقصة الماكارينا قبل أعوام. شعوبنا الأبية ترفع شعبان عبدالرحيم إلى مصاف العظام المؤثرين بحكمته السياسية الدقيقة حين يعلن “أحب عمرو موسى وأكره اسرائيل، هيييييييييه”، ويعيدها مرات لمن لم يفهم العبارة الدقيقة، فهي تحتاج إلى إعادة حسب تخمينه هو.

الإنسان يحتاج إلى من يعينه على اتخاذ قرار معقد، يطلب من يأخذ بيده من خبير أو حكيم، وإذا لم يتوفر هناك دائما الاستخارة وأساليب أخرى لتلمس الطريق الصحيح. تصوروا أن قبطان الطائرة يواجه اضطرابات جوية (تلك التي يسمونها مطبات هوائية) ستطيح بطائرته فيلتفت إلى الركاب ويقول لهم هل ننخفض أم نرتفع لتفادي الاضطرابات؟ وينتظر أن يدلو كل بدلوه.

استفتوا الناس إذا اضطررتم ولكن في أمر يفهمونه ليكون لهم رأي يستحق الإصغاء إليه.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر