الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

عقول العرب

العقل العربي المستقيل هو العقل الذي لا يكشف عن أسئلة الواقع، ولا يطرح الأسئلة الصحيحة، وبالتالي لا يقدم أجوبة واقعية لمشكلات الحياة والإنسان والمعرفة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/06/10، العدد: 10302، ص(14)]

يُعرف العقل، عادة، بأنه ملكة التفكير والنظر والتأمل والاستدلال والاستنباط والتحليل والتركيب، ولو تركنا هذا التعريف المجرد للعقل وبحثناه من زاوية المنهج لقلنا هو طريقة التفكير بالعالم. وحين كتب بعض المفكرين العرب عن العقل العربي فإن مقصودهم لم يكن سوى البحث في طرق التفكير العربية، ولهذا يمكن القول بأن هناك عقولا عربية راهنة يصل الاختلاف بينها في طرق التفكير إلى حدّ التناقض.

دعونا نرصد بعضها عند من يتصدرون مسرح “التفكير” وأثرها على واقعنا ومستقبلنا. فهناك العقل المستقيل: يعود الفضل في تعميم هذا المصطلح إلى محمد عابد الجابري الذي عنى به ذلك النمط من العقل الذي يستعير ما فكرت به العقول، إنه العقل التابع سواء كان تابعا للعقل السلفي أو للعقل الغربي.

وبكلمة أكثر دقة نقول إن العقل العربي المستقيل هو العقل الذي لا يكشف عن أسئلة الواقع، ولا يطرح الأسئلة الصحيحة، وبالتالي لا يقدم أجوبة واقعية لمشكلات الحياة والإنسان والمعرفة. واستخدم الجابري صفة مستقيل هنا بمعنى أنه لا يمارس مهنته الأساسية، مهنة التفكير بالواقع والمستقبل.

وقريب من هذا العقل المستقيل يقع العقل العتيق. والعقل العتيق هو ذلك العقل الذي يفكر، وعدته المعرفية مفاهيم قديمة صاغها السلف لفهم واقعهم، ومصطلحات عبرت عن درجة وعيهم بعالمهم، أي إن هذا النمط من العقل يتجاهل منطق الحياة والمجتمع والتاريخ والمعرفة والحاجات، الذي هو منطق التغير والتطور والتحول والجدّة.

فإذا كان العقل المستقيل متعدد الأوجه في العطالة، فالعقل العتيق ذو بعد واحد بعد العاجز عن رؤية منطق الأشياء، وهنا تكمن خطورته على المعرفة والمجتمع. لأن الواقع الحقيقي إنما يكمن في الماضي فقط وليس في الحاضر والمستقبل. ولهذا فإنه في الغالب يتوسل العنف طريقة في التعامل مع الواقع الذي يكذب عقله.

وعلى النقيض من العقل العتيق هناك شيوع للعقل المغترب، وهو العقل الذي يرسم صورة في الذهن لما يجب أن يكون عليه المستقبل دون النظر إلى علاقة الإمكانية بالواقع، ولا يسأل عمّا إذا كان ما يفكر فيه قابلا للتحقق أم لا. وعقل كهذا هو عقل أخلاقي بلا ريب لكنه ليس عقلا نظريا ولا عقلا عمليا، إنه ذو نزعة طوباوية رومانسية جميلة.

وإلى جانب هذا العقل المغترب يقع العقل العامي، وهو العقل الذي يصف الأشياء ولا يمل من وصفها دون إعمال النظر في فهمها، والكشف عن معانيها، فهو بعد جهد جهيد في وصف الوقائع يصدر أحكام القيمة عليها، رفضا وقبولا، واستحسانا واستنكارا، وتكمن مشكلة عقل كهذا في ظنه أنه يقدم معرفة عن العالم في الوقت الذي يقف فيه على سطح الوقائع ولا يلج أعماقها.

وأخيرا، لا نعدم وجود عقل واقعي- منطقي يستهدف الفهم والتفسير والكشف عما وراء الظواهر، لكنه محدود الحضور من جهة، ويواجه مقاومة عنيفة من العقول الآنفة الذكر، لأنه عقل كاشف للماوراء وبالتالي هو عقل يفضح الوقائع عبر فهمها، ويُحمِّل الإرادة عبء الممارسة المتعبة.

ولعمري إنه ما لم ينتصر العقل الواقعي المنطقي الذي يفكر بجدل الإمكانية والواقع، ويكشف عن منطق السيرورة التاريخية ويظهر الاحتمالات المتنوعة التي يختزنها التاريخ المعيش فإن التأخر التاريخي سيطول أمده.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر