الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

حرب المنشورات والتخوينات بين قادة الجماعات المتطرفة

  • حرص التنظيمات الإرهابية على التكتّم وعدم تعرية الخلافات التي تفجّرت بين قادتها، دليل آخر من الدلائل التي تفضح زيف مآرب هؤلاء ووهن حججهم في إقناع عناصرهم ومناصريهم الذين مكنتهم وسائل الاتصال من الاطلاع على شراسة هذه الخلافات ونوايا أصحابها عبر حرب المؤلفات التي يتراشق بها قادة التطرف بعضهم ببعض، ممّا يهدّد هذه الكيانات التكفيرية بالمزيد من التمزّق والانشطار، فالتفت قادة هذه الجماعات إلى أنفسهم وانقضّوا على بعضهم بسيل من تبادل الاتهامات والتخوينات والتشويهات، وهم في ذلك “مثل ألسنة اللهب التي تأكل بعضها، إن هي لم تجد ما تلتهمه”، على حد توصيف أحد المحللين والمختصين في شؤون هذه الجماعات.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/10، العدد: 10302، ص(13)]

جوهر خلافات قادة الإرهاب يعرفه الكبار والصغار

يفرض تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام حصارا منيعا على المؤلفات التي تصدر في نقد فكره وتنظيمه وأهدافه، سواء كان نقدا للجانب الشرعي أو الجانب السياسي، خوفا من أن تذاع في صفوف الجهاديين عبر شبكة الإنترنت، وتوجّسا من تسفيه أحلامه باسم الإسلام.

وتبقى أشد مخاوف تنظيم داعش متركّزة على إمكانية أن تصدر تلك المؤلفات النقدية عمن يعرفونه عن قرب، أو يعرفون زعيمه أبا بكر البغدادي وسوابقه وماضيه، أو يعرفون المشايخ المؤسسين للفكر الجهادي نفسه، الذي ينتمي إليه التنظيم، من أمثال أبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي الأردنيين.

وعلى الرغم من التقاطع الحاصل بين أصحاب تلك الانتقادات وتنظيم داعش، في قضايا التكفير والعنف وغيرهما من المكونات العقدية للفكر التكفيري، ورغم الانتماء المشترك إلى حظيرة الفكر الجهادي، إلا أن تنظيم داعش يعتبر تلك الانتقادات جزءا من لعبة التنافس بين الجهاديين، لذلك يبحث عن التستر عليها والحيلولة دون إذاعتها ونشرها، ويشن هجومات على أصحابها في منشوراته، بدعاوى الخيانة أو الردة أو الكفر.

والملاحظ أن هناك سباقا بين التنظيم وخصومه على تسجيل الأهداف ونشر المواقف والمواقف المضادة، فالتنظيم عمل طيلة السنوات الماضية على نشر العديد من الكتيبات والمقالات في منابره حول شرعيته وشرعية دويلة “الخلافة” التي أعلنها، وهي منشورات تجمع بين الدفاع عن شرعية التنظيم وبين الرد على الخصوم، فيما يصر هؤلاء على إسقاط مشروعية التنظيم وكشف الشبهات التي يستند عليها وتعرية الأكاذيب والأساطير التي ينطوي عليها، ومن ثم التحذير من مشروع دولة الخلافة التي يدعو إليها التنظيم ويقاتل من أجلها، بحسب زعمه.

الملاحظ أن هناك سباقا بين التنظيم وخصومه على تسجيل الأهداف ونشر المواقف والمواقف المضادة

لكن الأثر الذي تركه كتاب “الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم” لمؤلفه أبي عبدالله محمد المنصور على بنية التنظيم ومشروعيته أكثر من أن يقاس، فقد تم تناقله على نطاق واسع في منتديات الجهاديين والتعليق عليه، وكتب في الرد على الكتاب وصاحبه العديد من الرسائل التي حرص تنظيم البغدادي على أن تصل إلى أيدي الجهاديين، تمتلئ بالطعن في المؤلف واتهامه بالكفر والردة والخيانة والعمالة وغيرها من الاتهامات التي يجيد التنظيم توظيفها وفق خطة مدروسة وواضحة.

والمنصور، واسمه الحقيقي محمد حردان العيساوي ولديه اسم آخر هو أبوسعيد العراقي، هو المسؤول السابق عما يعرف بـ”جيش المجاهدين في العراق”، أحد فصائل الجماعات المسلحة العراقية ذات التوجه السلفي الجهادي، الذي كان يرفض المشاركة السياسية أو الانخراط في تجربة الصحوات العراقية، ودخل في صراعات مسلحة مع تنظيم القاعدة في جنوب بغداد وديالى وكركوك، وقد اعتقلته القوات الأميركية عام 2006 ثم أطلقت سراحه بعد بضعة أشهر.

وقبل اعتقاله كان المنصور شيخا لأبي بكر البغدادي، حيث يشير في كتابه إلى أن البغدادي درس على يديه جزءا من كتاب “زاد المستنقع، وهو كتاب في الفقه على مذهب أحمد بن حنبل، لكن أغلب الاعتقاد أنّ الاتصال قد انقطع بينهما، إلى أن خرج البغدادي إلى النور زعيما لدولة أعلنها في أجزاء من العراق وسوريا.

ويصف المنصور تلميذه السابق بأنه “سيء الخلق، جاهل ومن أهل الأهواء”، كما يسميه “أمير الزور”، ويقول متحدثا عن البغدادي “ليست المصيبة العظمى في جهل من تسمّى بأبي بكر، فلو كان جاهلا ويرجع إلى أهل العلم لهان الخطب، وإنما المصيبة في ادعائه العلم وعدم معرفته بقدر نفسه، وتكفيره للمسلمين، بل وللمجاهدين ممن لهم فضل عليه بغير حق، وإنما الجهل والهوى، وسفكه لدماء الكثير من أهل الخير، ومن نظر في وجه الرجل قبل أن يلج طريق التكفير والقتل بغير حق، ونظر في وجهه الآن، أدرك ببصيرته وفراسته أن الرجل على خطر عظيم”.

التنظيم عمل طيلة السنوات الماضية على نشر العديد من الكتيبات والمقالات في منابره حول شرعيته وشرعية دويلة "الخلافة"

المنصور كشف المنهج التكفيري عند المنتمين إلى تنظيم داعش، وعلى رأسهم البغدادي، فالتكفير عند هؤلاء “لا ضابط له، فقد يتوسعون فيكفرون أي موظف في الدولة، وقد يكفرون كل أفراد المجتمع؛ لأنهم راضون، بدليل سكوتهم، وقد لازم السكوت الرضا كما فعلت جماعة شكري مصطفى في مصر”؛ وهم يقرنون بين التكفير والقتل كما فعلت الخوارج في صدر الإسلام.

أما تكفيرهم لعلماء المسلمين وشيوخهم، أمثال الألباني وابن باز والعثيمين، فهو منتشر عندهم بشكل كبير. كما يتوقف المنصور عند بعض منظري التنظيم، أمثال أبي حمزة المصري وغيره من الذين عرفوا بالتشدد والغلو في الدين والعنف تجاه الآخرين. الكتاب في الأصل، كما يقول مؤلفه، كتب ردا على كتاب “إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام”، لمؤلفه عثمان بن عبدالرحمن التميمي، الذي شغل مهمة مسؤول الهيئة الشرعية في تنظيم دولة العراق الإسلامية في عهد أبي عمر البغدادي، الذي قتل عام 2010 وخلفه أبوبكر البغدادي.

ويمكن اعتبار الكتاب مراجعة داخل الفكر الجهادي العراقي، وبداية الانقلاب في المواقف الجذرية لدى بعض الجهاديين الذين سايروا الموجة الأولى من الفكر الجهادي في العراق، ومن شأنه أن يؤثر على البنية الفكرية والعقدية لأتباع تنظيم داعش وأتباع النزعة الجهادية، إذ لا شك أن ما يقترفه تنظيم الدولة من جرائم وسبي وتقتيل وتهجير باسم الإسلام، سوف تكون له ارتدادات كثيرة، دون أن نغفل أن كتاب المنصور لا يسجل قطيعة مع فكر التكفير جملة وتفصيلا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر