الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الإسلاميون يدخلون لعبة التحالفات المؤقتة والرسائل المشفرة

  • التنظيمات الإرهابية المسلحة تمارس في ما بينها ألعابا سياسية واضحة، تمليها مصالح السيطرة والسعي نحو الزعامة والنفوذ، ويظهر كل ذلك في تحالفات نفعية، تحاول الاختفاء خلف شعار مكشوف، صارت تخدع به بعضها بعضا وهو ما تسميه “وحدة الصف الجهادي”.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/15، العدد: 10307، ص(13)]

القاعدة تحاول استعادة سطوتها

لا تشكل مبايعة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، لقائد حركة طالبان الأفغانية الجديد الملا هيبة الله أخونزاده تطورا نوعيا في طبيعة العلاقة القائمة بين التنظيمين، بقدر ما هي عملية تجديد روتينية لبيعة سابقه، الملا أختر منصور، الذي قتل في غارة أميركية الشهر الماضي، وإن كان فيها تذكير من جانب الظواهري باستمرار القاعدة في نفس الخط الذي رسمه مؤسسها الأول أسامة بن لادن قبل سنوات عدة، حينما بايع الزعيم الأسبق لحركة طالبان الملا عمر، معتبرا إياه خليفة المسلمين والرجل “الذي لم يجد الزمان بمثله”.

لكن مبايعة الظواهري الجديدة، التي بثها في شريط مصور تضمن الثناء على الخليفة الجديد للحركة، وتعد إشارة موجهة بدرجة أساسية إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، بزعامة أبي بكر البغدادي، الذي يوجد في حالة تنازع حول مشروعية تمثيل “الخلافة” مع طالبان الأفغانية، وفي تلك الإشارة رسالة مفادها أن البغدادي مطعون في شرعيته، وأن القاعدة لا تعترف إلا بمشروعية واحدة هي التي تمثلها طالبان، على أساس الأسبقية في ساحة الجهاد العالمي.

في شهر أغسطس الماضي، وخلال مبايعته لخليفة الملا عمر، قال الظواهري إن الإمارة التي أقامتها حركة طالبان في أفغانستان كانت أول إمارة شرعية بعد سقوط الخلافة العثمانية، وجاءت في الوقت الذي لم تكن هناك إمارة إسلامية في العالم، وأكد أن كل من بايع أسامة بن لادن دخل في البيعة لتلك الإمارة. والأهم في ذلك التصريح أنه حصل في توقيت شهد صعود حدة اللهجة بين الظواهري والناطق الرسمي باسم دولة البغدادي، أبي محمد العدناني، الذي كال لزعيم القاعدة مختلف الاتهامات بالتخوين والعمالة، ورد الظواهري هو الآخر في شريط صوتي، مؤكدا عدم الاعتراف بدولة البغدادي التي اتهمها بكسر شوكة الجهاديين وتشتيت صفهم. ولم يمض أقل من شهر حتى خرج زعيم القاعدة مطالبا بتوحيد صفوف الجهاديين، لكن بينما كان يهدف بذلك إلى جر الجهاديين إلى بيعة طالبان كان البغدادي يفهم وحدة التيار الجهادي على أساس أنه دخول في بيعته.

على الرغم من التحالف القائم بين القاعدة وطالبان، إلا أن الأولويات لدى الجانبين متباينة بشكل ملحوظ. تشرئب القاعدة بأعناقها إلى أن تصبح الممثل الشرعي الوحيد للحركة الجهادية العالمية، أو أن تستعيد تلك التمثيلية بكلمة أصح، بعد أن خسرت قسطا من بريقها بوفاة زعيمها بن لادن، بينما أعين طالبان لا تنظر أبعد من الحدود الأفغانية، للإطاحة بالحكومة الحالية، وبالكاد تمد بصرها إلى الساحة الباكستانية، من خلال شبكة سراج الدين حقاني المتواجدة شمال وزيرستان الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية. وفي حين تسعى القاعدة إلى توجيه ضربات إرهابية إلى عدد من البلدان العربية، كما فعلت في السنوات الماضية، تعتبر طالبان نفسها غير معنية باستهداف أي بلد آخر خارج أفغانستان، وهو ما ينهض دليلا على وجود خلاف عميق بين الطرفين.

المفاوضات بين كابول والحركة لا تزال على الطاولة، بالرغم من العثرات التي تحول دون تقدمها؛ إذ الظاهر أن الحركة تهدف ـ من خلال الهجمات الأخيرة التي تشنها ضد الحكومة الأفغانية ـ إلى خلق وقائع جديدة على الأرض تخولها الحصول على حصة أكبر في أي صفقة سياسية ممكنة مع الحكومة، في حال أمكن الدخول في مفاوضات مقبلة. ومهما كان الأمر فإن المفاوضات تعني وجود حسابات سياسية معينة لدى

الحركة، في الوقت الذي لا توجد مثل هذه الحسابات لدى تنظيم القاعدة، الذي تتمثل حساباته الوحيدة في جمع الحركات الجهادية تحت مظلته، ومنافسة تنظيم داعش. وفي الواقع تعكس الخلافات بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان من ناحية الأولويات أزمة إيديولوجية لدى القاعدة، ذلك أن الأجندة الموجودة لدى طالبان

هي أجندة وطنية تتحرك في إطار الحدود الأفغانية، وحلقة الصراع لديها محصورة في المجال الداخلي، هذا في الوقت الذي تعتبر القاعدة أن النزعة الوطنية والانكماش حول الداخل الوطني مناقضان للمفاهيم الجهادية التي تحملها، إذ هي ترفع شعار “الأمة” وتطرح مقولة الجهاد في الإطار العالمي، ولهذا السبب فإن التوصيف الطبيعي للتحالف القائم بين الطرفين أنه تحالف براغماتي يفيد القاعدة في الوقت الحالي أكثر مما يفيد طالبان، المنشغلة اليوم بخلافاتها الداخلية بسبب المواقف المتصارعة وتباين المواقف حيال القيادة الجديدة من ناحية، وحيال عملية السلام والمفاوضات السياسية مع الحكومة الأفغانية من ناحية ثانية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر