الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

صياما مقبولا

'أستودعكما الله. أنا ذاهب لأداء واجبي في ساحات الجهاد. وسأرسل لكما صوري مع الجواري والسبايا على الواتس أب. التوقيع أبو ماريّة وائل المفتاحي'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/06/17، العدد: 10309، ص(24)]

بلغنا أن أكثر الأسماء انتشارا في بلد عربي يعاني من فتوحات داعش اسم مفتاح، يقابله اسم خزنة. مفتاح للرجل وخزنة للمرأة. ولهذا معنى مهم في التواصل الاجتماعي في زمن ما قبل ثورة التكنولوجيا. انتشر اسما مفتاح وخزنة لاحقا في كل البلدان العربية، وذات يوم قرّر مفتاح بعد أن حصل على فرصته، أن يعيد صناعة التاريخ عبر الترفيه التلفزيوني. فالزبائن في البيوت لديها شغف بمتابعة ما يريح البال ويمتّع النظر ويطرب الآذان. كما أن الماضي السحيق المجيد، ضروري اليوم، كي يتخلص المشاهد من نكد الأخبار والحاضر الثقيل البليد. فخرج من بين أيدي مفتاح المسعودي كائن اسمه الدراما الرمضانية التاريخية.

لكن مفتاح، لم يكن يريد عرض التاريخ كلّه، فبعضه سخيف، والبعض الآخر منه عنيف. ولا يتبقى سوى المتوافق عليه، الذي يمشّي الحال؛ استعادة زمن الليالي الملاح والوجوه الصِّباح. كان هذا سهلا للغاية. عشرات الصبايا المملوكات يتراقصن بين يدي النخاسين، وزبائن ذلك الزمان يشترون ويبيعون والأمور عادية.

حين شاهدت زوجته خزنة في بيتها ما يحصل على الشاشة، تلفتت يمينا ويسارا. سكتت أول الأمر. ثم انتظرت قليلا قبل أن تقول لمفتاح: والله يا ابن عمي، ما قصّرتم. شغلكم ممتاز. تبسّم مفتاح مفتخرا مسترخيا على المقعد. لكن خزنة واصلت حديثها: طلبت من ابننا وائل أن يشاهد المسلسل. وهو يتابعه من أول حلقة، ويحدّث زملاءه الأطفال في المدرسة عنه متباهيا بوالده الذي يقف خلفه.

وكانت خزنة تشعر بالسعادة وهي تصوّر بهاتفها الذكي لقطات من الشاشة، تحتفظ بالصور كي تريها لخياطتها لتصنع لها أثوابا تشبه أثواب الجارية الفلانية، وأغطية رأس مثل التي للجارية العلانية، مهفهفة وملونة، كي تثير إعجاب مفتاح.

مرّ الزمن وتتالت أجزاء المسلسلات التي كان مفتاح ينتجها. وصارت خلافات الجواري حديث الناس في الشارع والمقاهي والصالونات وجلسات الستّات. كانت الليالي تمرّ ليلة إثر ليلة، والجواري الملاح يناقشن حال الأمّة. كان مخ وائل سميكا. لم يكن يستوعب دروس الرياضيات والأحياء والفيزياء. وخزنة كانت كلما عاد ابنها من مدرسته، تعيّره بأعمال أبيه التاريخية: انظر إلى الفرسان، انظر إلى البطولات، ألا ترى كل هؤلاء الجواري؟. لن تعجب بك البنات إن لم تكن بطلا في دراستك، كما كان الفرسان أبطالا في المسلسلات.

كان مفتاح مشغولا بالتأليف والإنتاج والتدقيق والنبش في الكتب، ولم يكن لديه الوقت للاهتمام بوائل.

وبعد سنوات، وبينما كانت خزنة تنظف البيت، حالمة بجارية أندونيسية تساعدها. عثرت على ورقة ملقاة على الطاولة. قرأتها بسرعة وهرعت نحو مفتاح: انظر يا ابن عمي. قالت له وهي تبكي. وضع مفتاح نظارته بحركة تلفزيونية بطيئة. أخذ يقرأ بصوت جهوري بعربية مخلّعة الأبواب.

“أستودعكما الله. أنا ذاهب لأداء واجبي في ساحات الجهاد. وسأرسل لكما صوري مع الجواري والسبايا على الواتس أب. التوقيع أبو ماريّة وائل المفتاحي”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر