الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الانتخابات الأميركية ولعبة البيضة والحجر

أميركا تهرب إلى الأمام في قارب الانتخابات، تاركة حرائقها أو حرائق غيرها؛ في كلا الحالتين سترفع أميركا قبعتها احتراما لشرطي المطافئ الجديد، وسيستمر البحث عن حرائق جديدة، بعضها مفتعل كي لا يبقى عاطلا عن العمل.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/18، العدد: 10310، ص(8)]

الحاضر هو نتاج تجوال الأزمنة وتبدل الفصول، والإنسانية استبدلت في طريقها مختبرات تجاربها، ومنها صفات كانت تعتبر، أحياناً، غير قابلة للتغيير ومن صلب معايير استقرار الدول والأنظمة السياسية الحاكمة، وتحظى بالحماسة والتأييد من الشعوب رغم أنها تدفع أثماناً باهظة من رفاهيتها وعيشها ودمها، لتستمر الكيانات أو السلطات المتعارف عليها مصدراً مهماً لوجودها.

الحروب والمواجهات بين المجموعات البشرية، ربما لم تعد قراءة في التاريخ، بل هي أخبار عاجلة سرعان ما تستهلكها النشرات اللاحقة، وما يسترعي الانتباه أن الجرائم الفردية الملحقة بتسمية الإرهاب تنال اهتماما واسعاً ويتردد صداها لمدة زمنية قياسية نسبة إلى أهوال جرائم الإرهاب الجماعية، ومصادرها قوى تمتلك أسلحة التدمير والإبادة والتخطيط المسبق والتجهيز، وضحاياها بالعشرات والمئات يومياً، حتى وقائعها المسجلة تشبه إعادات أفلام اليوم السابق أو الأسبوع الفائت أو السنوات الضائعة؛ أفراد يتراكضون، طفلة جريحة يحملها والدها وسط الصراخ وغبار القصف وأنقاض الحي المهدّم، ودعاء مبهم بأن يقصف الله عمر الحاكم الظالم.

الأخبار الآن تتجه إلى الذئاب المنفردة، وعناصر الجريمة ونِسَبها كانت مؤشراً على استقرار المدن ونجاحات الأجهزة الأمنية، وركنها الأهم مستوى دخل الفرد ومقاييس الرفاهية والاقتصاد المتماسك والحرية والنظام السياسي، ما تغير هو نظرة الرعاة إلى مفهوم إعادة الخراف الضالة إلى القطيع (مع رفض المجتمعات الحديثة لفكرة القطيع) لكنها استعارة لضبط الحدود الفاصلة بين إنسانيتنا المشتركة، أو ترك الأسيجة مهدمة ومهلهلة لتتسرب منها أعداد صغيرة أو كبيرة.

في نهاية الأمر قصة إهمال خطيرة لرعاة النظام السياسي العالمي وهم، بطريقة أو بأخرى، تسببوا بانفراط عقد الإخاء بين البشر، لانحيازهم وغياب الإنصاف، فتصرفوا بتعسف أو لا مبالاة وسمحوا لمزاجهم الشخصي بأن يكون بديلاً لمسؤولياتهم في قيادة شعوبهم أولاً، وبناء علاقات تخادم قائمة على الانفتاح وتبادل منافع السلام وفهم معنى الارتقاء بتنمية الشعوب.

الانتخابات الأميركية تنوب عن تغير فصول السياسة وتبادل مواقعها، أحياناً لا تأتي متتابعة ومتوقعة لتتجمع في فصل واحد مناخات الرطوبة والجفاف والمطر والرياح العاتية والهدوء المفاجئ، فيحتار العالم في تصرفه وما يجب أن يتخذه من تدابير ليكون مهيئاً لكل الاحتمالات.

ما يهمنا السياسة الخارجية وموقف الرئيس القادم من الصراعات المؤجلة دون حسم في الشرق الأوسط وانقلاب سلة صياد الأفاعي وتسللها حتى إلى بعض بيوت الحواة اللاعبين بالبيضة والحجر.

موسم الانتخابات، يعني الخلاص من عبء السياسات الأميركية السابقة وإلقائها على عهدة الرئيس المنتهية فترته، أو بالأحرى حزبه، ليتم تجديد العلاقات الدولية ونسج أرضية أخرى تكون مهيأة لتفاهمات وتوقعات وحلول مختلفة، ودورة اعتراف بالأخطاء والتصحيح ورؤى تكميلية لأزمات ومواقف تستمر إلى الانتخابات اللاحقة.

أياً كان الفائز في الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ الحزب الديمقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون، أو مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب، فكلاهما لن يكون باراك أوباما آخر؛ ستميل هيلاري إذا فازت برئاسة البيت الأبيض إلى يمين الوسط، وكذلك سيفعل ترامب في حالة فوزه، إذ سيميل إلى يسار الوسط، هذا القياس سيكون ملائماً للاثنين معاً، للخروج من منصات الإثارة وتدافع الحصول على أصوات الناخبين بكل وسائل الداعمين والعاملين مع الطرفين في الإعلام، أو التواصل مع التجمعات غير المهتمة بالتصويت وهي تشكل نسبة كبيرة محجوبة وغير مرئية ولا تخضع للشرائح المعول عليها كالنساء في حالة هيلاري، أو الشعبويين في حالة ترامب، أو المهاجرين كما في حالة الرئيس باراك أوباما.

الانتخابات القادمة ستلقي بسياسة باراك أوباما الخارجية خلف ظهرها لتكون أكثر قوة وحزماً، أوباما في مؤشرات بعض تصريحات وزير خارجيته، أو على لسان الناطق الرسمي يمهد لدعم مرشحة الحزب الديمقراطي في محاولة لاستمالة منتقدي سياسته الخارجية إلى التصويت لهيلاري.

ترامب ازدادت أسهمه مع الهجوم الليلي في أورلاندو، واغتنمه فرصة للنيل من سياسة منافسته لهشاشة سياسة أوباما تجاه الإرهاب.

أميركا تهرب إلى الأمام عادة في قارب الانتخابات، تاركة حرائقها أو حرائق غيرها، في كلا الحالتين سترفع أميركا قبعتها احتراما لشرطي المطافئ الجديد ومعداته غير المدشنة وطاقمه ومستشاريه، ووجهة خراطيم المياه، سيستمر البحث عن حرائق جديدة، بعضها مفتعل كي لا يبقى عاطلاً عن العمل.

سبق وأن فاز مرشح الحزب الديمقراطي جيمي كارتر، للبراءة من حرب فيتنام، وبعد مأزق الصومال ومشهد سحب الجثث في مقديشو هرعت أميركا إلى طلب نجدة الانتخابات وإنهاء حقبة جورج بوش الأب بفوز بيل كلينتون مرشح الحزب الديمقراطي، وبعد حادثة الفلوجة الشهيرة ومقتل أربعة من الأميركان عام 2004 كاد الرئيس جورج بوش الابن يفشل في الانتخابات للدورة الثانية بعد هجوم جون كيري منافسه الديمقراطي حينذاك وزير الخارجية الحالي، الذي طالبه بعدم نقل السلطة إلى العراقيين، فما كان من بوش إلا شن هجوم كاسح على الفلوجة لإقناع الناخب الأميركي بردة الفعل، وانتصار أوباما لاحقاً جاء نتيجة لفشل بوش واعترافه بتلفيق كذبة أسلحة الدمار الشامل لاحتلال العراق.

هذه الأيام تبدو خنادق السياسة أقل غموضاً وانقشع عنها دخان ألاعيب السحرة الأميركان و”كلاوات” ملالي طهران، وتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض، وأن من حمل السلاح لمقاتلة قوات الاحتلال كانت دوافعه متباينة؛ المقاومة قاتلت لإخراج الغزاة من أرض العراق والعرب، وهناك من قاتل لإيصال رسائل إيرانية لأميركا، ومنهم من كانوا مدفوعين ومدربين برعاية النظام السوري وتبين أنهم من القاعدة تحديداً، ثم داعش التي استخدمها ذريعة لبقائه وتشويهاً لسمعة الثورة السورية.

يتسارع زمن الأحداث كحركة أفلام شارلي شابلن، معركة الفلوجة ومعركة الموصل والرقة وحلب وغيرها الكثير، وروسيا التي تلطم مع إيران في كل عزاء، وترقص طرباً دون أن تلتفت إلى حفرة تحفرها، ولا إلى كمية الفخاخ المنصوبة تحت بند التربص في أماكن عديدة من العالم ومنها المستنقع السوري.

المساعي الأميركية تتجه إلى الإيقاع بزعيم تنظيم الدولة، هدية من أوباما إلى هيلاري لبداية فصل آخر من الأخبار العاجلة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر