الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

أرق كأن الريح تحتي

التكنولوجيا الحديثة ضالعة في إبقائنا مستيقظين لساعات متأخرة من الليل، وتسببت في تقليص ساعات نومنا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/06/18، العدد: 10310، ص(21)]

كلّما حان موعد النوم يتملكها الخوف وتشعر بالانقباض في قلبها، وتودّ لو كان بإمكانها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ليعود بها الزمن إلى النهار أو إلى ساعات الليل الأولى، حتى لا تتكرر معاناتها اليومية مع نوبات الأرق.

هذا هو حال جارتي الإنكليزية مورين التي تتمنى كل مساء لو لم يسدل الليل ظلامه لكان بإمكانها مواصلة الاعتناء بحديقتها، أو لو كانت المتاجر تبقى مفتوحة ليلا لكان بإمكانها التسوق، أو حتى الاتصال هاتفيا ببناتها، لكن للأسف الوقت متأخر جدا وغير مناسب بالنسبة إليهن، فالأكيد أنهن يغرقن في نوم عميق، وهي لا تريد أن تقلق راحتهن وراحة أزواجهن، حتى وإن فعلت فشكواها من السهد الذي يلازمها لن يحفزها على النوم.

وتعجز جارتي التي تجاوزت الستين من عمرها عن إيجاد السبب الذي يريح رأسها من التعب المضاعف والمتراكم لليال عديدة جرّاء نقص عدد ساعات نومها.

والحقيقة أنه من الشائع جدا أن يشتكي كبار السن من مشكلة الأرق وقلة ساعات النوم، وقد أشارت البعض من الدراسات العلمية إلى أن حوالي نصف كبار السن يعبرون عن معاناتهم بشكل أو بآخر من اضطرابات النوم.

وثمة تفسيران رئيسيان لهذه المشكلة، وهما إما الإخلاد إلى النوم في ساعات مبكرة من الليل، ومن ثم الاستيقاظ مبكرا جدا في الصباح مع استحالة العودة إلى النوم مرة ثانية، وفي البعض من الحالات الأخرى يؤدي الانزعاج الناجم عن حالات مرضية إلى تفاقم مشكلات الأرق بين كبار السن. ولكن من غير السائد أن يشتكي المراهقون والأطفال من الأرق، حتى في ظل عدم وجود المضايقات الناجمة عن التوعكات الصحية، التي تجعل النوم يهرب منهم.

وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص البالغين يحتاجون إلى النوم ثماني ساعات على الأقل، لكن حوالي 45 بالمئة من سكان العالم يعانون من مشكلات في النوم تهدد الصحة، وجودة الحياة بشكل عام.

وهذه المشكلة تعاني منها مجتمعات الخليج العربي وشرق آسيا، وعلى الغالب بسبب مشكلات الحياة اليومية التي تشحن رؤوس أفرادها فيحاولون إيجاد حلول لها في الليل، وأيضا بسبب المشكلات السياسية والاقتصادية المتزايدة والتي سرقت النوم من عيونهم.

ولكن المشكلة الأكبر أسلوب الحياة الحديث والنمط الاجتماعي الذي أصبح متيقظا على مدار الأربع والعشرين ساعة، وجعل الكثيرين يعيشون على عكس ساعاتهم البيولوجية، فأغلبنا قد حوّل منزله إلى مكتب للعمل حتى في الأوقات التي يفترض فيها أن يأخذ قسطا من الراحة، ويتيح لدماغه القيام بأعمال الصيانة والترتيب ويجدد نشاط خلاياه، ويتخلص من السموم التي تتجمع خلال النهار، ويستعيد طاقته وقدرته على حفظ المعلومات.

وفي واقع الأمر يتبادر سؤال عن أي صواب في الإبقاء على الأطفال مستيقظين حتى ساعة متأخرة من الليل يشاهدون التلفزيون أو يلهون بالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، ليناموا خلال الحصص الدراسية في اليوم التالي.

وهناك العديد من الشواهد على أن التكنولوجيا الحديثة ضالعة في إبقائنا مستيقظين لساعات متأخرة من الليل، وتسببت في تقليص ساعات نومنا.

والنوم لفترات قصيرة له آثار مدمرة على الصحة، وعلى جودة الحياة وعلى استمرار الحياة في حدّ ذاتها، فهو يتسبب في الاكتئاب، ويجعل الإنسان عرضة للجلطة والإصابة بمرض السكري، بالإضافة إلى الالتهابات والسمنة التي ربطها الأطباء بشكل مباشر بالمعدلات القليلة من النوم.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر