الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

اغتيال سياسي يضرب أعرق الديمقراطيات في العالم

القاتل توماس ماير جاء من مناخ متطرف سبق وأن نسب لنفسه تنظيم ميليشيات أطلق عليها اسم 'الدوريات المسيحية” التي شنت هجمات على مساجد في بريطانيا.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/06/18، العدد: 10310، ص(12)]

هل سيكون دم كوكس فداءً للوحدة الأوروبية؟ للانفتاح مقابل الانغلاق؟

برلين - آخر ما تحتاجه أوروبا اليوم، إراقة دم أوروبي بيد أوروبية. حدث يذكّر باغتيال إسحق رابين على يد المتطرف اليهودي إيغال أمير، ما عكس حينها حالة الانقسام المجتمعي الحاد في البلاد. واليوم تعود تلك الانطباعات لتتشكل من جديد، في القارة الأوروبية وفي أعرق ديمقراطياتها.

المملكة المتحدة ليست إسرائيل، وليست بريطانيا ذاتها التي شهدت قبل عقود عمليات شنها الجيش الأحمر الأيرلندي في عمق مدن محكمة الإغلاق. فكان الخبر: قام المواطن البريطاني توماس ماير بالتخطيط المسبق لقتل عضو مجلس العموم جو كوكس. هاتفاً “بريطانيا أولاً”. ثم واصل طعنه لكوكس بدم بارد قبل أن يطلق النار عليها، بسبب دعمها لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وتأييدها لاستقبال اللاجئين السوريين وحماية حقوق المهاجرين الأجانب.

قلق الأمة البيضاء

تتسارع التحقيقات التي بدأت بإجرائها أكثر من جهة، وسرّبت منظمة ساذرن بوفرتي لو سنتر الحقوقية أن القاتل ماير، عضو في مجموعة “النازيين الجدد”، وأنه كان قد انضم في الماضي إلى ما يعرف بـ”التحالف الوطني” الذي يترأسه في الولايات المتحدة الأميركية ويليام لوثر بيرس. أستاذ الفيزياء في هلزبورو في فيرجينيا الغربية.

طالب بيرس ومنظمته ببناء أمة مقتصرة على السكان البيض وحدهم. ولا يتردد بالدعوة إلى إبادة اليهود. وفصل سود البشرة عن المجتمع الأبيض. وتنتشر أفكار وفروع التحالف الوطني بين قرابة ثلاثة آلاف عضو يعيشون في خمس وثلاثين ولاية أميركية.

يعتبر التحالف الوطني نواة حقيقية لأعمال إرهابية تم التخطيط لها وتنفيذ بعضها، على مدار السنوات الماضية. دون أن تتمكن السلطات الأميركية من وضع حدّ لنموّ تلك الجماعة أو لنشاطاتها. إذ بعد أن نشر وليام لوثر بيرس تحت الاسم المستعار “أندرو ماكدونالد” روايته “يوميات تيرنر” التي يصف فيها حرباً مستقبلية يجري فيها ذبح الآلاف من اليهود. حينها لم تقم سوى ألمانيا بمنع توزيعها، بينما تأثر بها تيموثي ماكفي، الذي قام بنسف مبنى الفيدرالية في أوكلاهوما في العام 1995 مخلفاً أكثر من 168 قتيلاً بينهم تسعة عشر طفلاً. ولم يتوقف تأثير بيرس على ماكفي وحده. بل إن جرائم كثيرة ارتكبت في أميركا، كان منفذوها يعلنون انتماءهم إلى التنظيم المتطرف في عقود الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين وصولاً إلى العام 2005.

التحالف الوطني الذي ينتمي إليه توماس ماير يعد نواة حقيقية لأعمال إرهابية تم التخطيط لها وتنفيذ بعضها، على مدار السنوات الماضية. دون أن تتمكن واشنطن من وضع حد لنمو تلك الجماعة، كان من أكثرها شهرة قيام عضو التحالف الوطني تيموثي ماكفي بنسف مبنى الفيدرالية في أوكلاهوما في العام 1995 مخلفا أكثر من 168 قتيلا بينهم تسعة عشر طفلا

العنصرية وعبور الأطلسي

سجّل العام 2011 ظهور التحالف الوطني بنسخته البريطانية، منضماً إلى اليمين المتطرف الذي أخذ أشكالاً مختلفة في الحياة البريطانية، وصلت إلى حركة مشجعي كرة القدم “الهوليغانز”. حتى أصبح عدد المنضوين تحت راية التحالف الوطني حسب صحيفة التليجراف أكثر من ستة آلاف عضو يسعون إلى وقف تدفق المسلمين إلى بريطانيا، وإعادة الاعتبار للهوية البريطانية. وتلقى هذه الأفكار رواجاً كبيراً بين متابعي وسائل التواصل الاجتماعي إذ وصل عدد متابعي صفحة “بريطانيا أولاً” على الفيسبوك إلى مليون وربع المليون متابع، وهو كما ذكر الإعلام البريطاني يعد الأكبر بين الأحزاب السياسية.

ماير جاء من هذا المناخ الذي سبق وأن نسب لنفسه تنظيم ميليشيات أطلق عليها اسم “الدوريات المسيحية”، شنت هجمات على مساجد في بريطانيا. وخرجت في مظاهرات في بيرستال، التي تعد الدائرة الانتخابية للنائبة المقتولة جو كوكس.

الرابط ما بين توماس ماير وويليام لوثر بيرس يعود إلى جذور الأخير الأيرلندية الأسكتلندية الإنكليزية. قبل أن يصبح جده توماس واتس أميركياً، وحاكماً لولاية ألاباما خلال الحرب الأهلية الأميركية. لم يقطع بيرس جسره العنصري عبر الأطلسي، من خلال حرصه على تأسيس التحالف الوطني البريطاني بعد القاعدة الأم في الولايات المتحدة.

أفكار تيار النازية الجديد في العالم الغربي، كانت قد بدأت من مكافحة الشيوعية العدو التاريخي للنازية، ولكن أيضاً للمجتمع الرأسمالي. وقد كان لبيرس جولات وصولات في هذا الحقل، منذ أواسط ستينات القرن الماضي قبل أن ينتقل إلى العاصمة واشنطن، ليعلن عن التحالف الوطني وعن جماعة كنسية تحت اسم “كوزموثيست”، مصدراً النشرات والمجلات ومشاركاً في الندوات والمحاضرات وعلى شاشات المحطات التلفزيونية. وقبل وفاته في العام 2002، كان بيرس قد أوصل منظمته العنصرية إلى مستوى مؤسساتي ناجح، يدرّ عليها دخلاً سنوياً يتجاوز المليون دولار.

توماس ماير الذي بات يعرف اليوم باسم “تومي” كان ولد في كيلمارنوك في أسكتلندا، وعاش حياته شبه منعزل، غرب يوركشاير. بعد وفاة جدته التي كان يسكن معها حتى العام 1996، لم يتزوج مطلقاً. يقول جيرانه وشقيقه إنه كان يعاني من اضطرابات نفسية، وأنه لم يكن لديه أيّ ميول سياسية، غير أن المنظمات الحقوقية استطاعت الحصول على الوثائق التي تقول إنها تثبت صلة ماير بالنازيين الجدد.

توماس ماير إرهابي غير عربي وغير مسلم هذه المرة

تعمل النازية الجديدة في أوروبا على عدة مستويات. تبدأ من التركيز على الطبقات الشعبية، من خلال المنظمات الأهلية والنوادي والتجمعات الرياضية والشبابية. ثم العمل على التنظير الفكري لما تؤمن به من أفكار، ونشرها في وسائل الإعلام والمحافل. والدفع بقوى سياسية تتمكن من اختراق الحياة السياسية عبر الديمقراطية.

النازية تجتاح أوروبا

لكن أكثر ما كتب فيه الباحثون يسلط الضوء على ما تسميه النازية الجديدة بـ“الكفاح من أجل الإرادة”. ويقوم على عقد التحالفات السياسية مع الأحزاب الأخرى، أو اضطرارها لعقد تلك التحالفات، بما يكفل لتلك الأحزاب الاستمرارية في الحياة السياسية، ويضمن للنازيين تحقيق المكاسب كل مرة.

وتعتاش النازية الجديدة، على الأزمات التي تضرب العالم، مشكّلة حساسيات يشعر الأوروبيون بالارتباك أمامها، فيما تستثمرها النازية لإذكاء العنصرية بين أعضائها والتبشير بالفكر النازي وتوسيع رقعة امتدادها في المجتمعات.

واليوم تجد أزمة اللاجئين السوريين والعراقيين والقادمين من مناطق الحروب والكوارث صوب أوروبا، آذاناً صاغية لمن يحذّر منها من النازيين. فتصبح الفتيل الذي يشعل الاضطرابات كلما حاولت الحكومات تطويقها. علاوة على ظهور التهديد الإرهابي العالمي المتمثل بداعش من بعد القاعدة، وإصرار إدارة الرئيس باراك أوباما على إبقاء سوريا مصيدة للإرهابيين، وفي الوقت ذاته بؤرة لتدوير الصراع ما بين الدكتاتور والشعب والمتطرفين، وتصدير الإرهابيين في كل اتجاه، ومن تلك الاتجاهات حتماً، طريق اللجوء وبلاد العائدين من الجهاد.

ولم يعد مستغرباً وجود تيارات سياسية عنصرية في كل بلد من البلدان الأوروبية، تتقدم ولو قليلاً وبنسب مختلفة داخل برلمانات دولها. ويذكر تقرير “ديموس” أن الآلاف من المحبطين من أداء حكوماتهم في أنحاء أوروبا ينشطون للتعبير عن قلقهم من تآكل هويتهم الثقافية والوطنية، متحولين إلى “جماعات يمينية متطرفة يشعرون بأنها تعبّر عن مخاوفهم”. ونقلت الغارديان عن توماس كلاو عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله إن “معاداة السامية كانت عاملا لتوحيد أحزاب اليمين المتطرف في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، لكن معاداة المسلمين (الإسلاموفوبيا) أصبحت العامل الموحد لهذه الأحزاب في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين”.

الحرب الهجينة

مرّ خبر صحيفة بيلد الألمانية مرور الكرام على الإعلام العربي، وهو الخبر الذي تحدث عن كشف الحكومة الألمانية لشبكات روسية ممولة، تغذي الشعور بالعنصرية وكراهية الآخر، تعمل على الأراضي الألمانية.

ونقلت مصادر عن أجهزة الاستخبارات الألمانية أن روسيا تقف خلف حملتين إلكترونيتين تم شنهما ضد ألمانيا؛ حملة “سوفاساي” وحملة “ساندوورم”، اللتين كانتا تهدفان إلى أعمال تجسسية وتخريبية ونشر العنصرية.

النازية الجديدة في أوروبا تبدأ من التركيز على الطبقات الشعبية ثم العمل على التنظير الفكري لما تؤمن به من أفكار

وبات ما يعرف بـ“الحرب الهجينة” طرازاً جديداً من الحروب، تستهدف المجتمعات والمؤسسات عبر النظم الإلكترونية. وصولاً إلى تطوير استراتيجية ووسائل نووية وبيولوجية وكيميائية وحرب معلومات وعبوات ناسفة واغتيالات. التحريض على اللاجئين كان على رأس أجندة الحملتين الروسيتين.

كما سبق وأن هاجمت سوفاساي حلف شمال الأطلسي، بينما هاجمت ساندوورم غرب أوكرانيا وأدت إلى انقطاع التيار الكهربائي عنها في نهاية ديسمبر من العام 2015. وقال رئيس الاستخبارات الألمانية الداخلية هانس جورج ماسن في بيان خاص إن “جهاز الاستخبارات الروسي بات يميل إلى التخريب على ما يبدو”.

وتساعد وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، وتنامي تقنيات الاتصالات وسهولتها، على انتشار الأفكار المتطرفة، وقد كشفت مؤسسة “ديموس” البريطانية مؤخراً، أن انتشار المشاعر القومية المتشددة بين جيل المراهقين والشباب بات يعتبر ظاهرة في أوروبا. علاوة على سخط هؤلاء على حكوماتهم، وتفشي الإسلاموفوبيا بين أوساطهم. ويترافق هذا مع مشاعر عدائية تجاه المهاجرين الأجانب، القدامى والجدد، ولا سيما اللاجئين منهم.

لن تستطيع بعض الجهات التي اعتادت اتّهام العرب المسلمين بالأعمال الإرهابية دون تردد، التغطية على خلفية ماير العنصرية، بتبرير سلوكه بالاضطراب النفسي. ففواتير ماير تقول إنه كان قد اشترى بندقية في العام 1990، لأسباب غامضة، قبل أن يقوم بشراء مساحيق كيميائية تستخدم عادة لصنع المتفجرات. إضافة إلى بعض الكتب التي تساعد على صناعة المسدسات، وكتاب مصور مستنسخ يعود لأدولف هتلر الزعيم النازي، وهو واحد من الكتيبات التي كانت توزّع على أعضاء الحزب النازي في ألمانيا بداية أربعينات القرن العشرين.

قتل توماس ماير الكهل العنصري النائبة الشابة جو كوكس، فهل سيكون دمها فداءً للوحدة الأوروبية؟ للانفتاح مقابل الانغلاق؟ هل ستكون جريمة القتل هذه محاولة فاشلة لقتل المستقبل؟ أم أنها ستحدث ما لا يتوقعه أحد؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر