الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

'عالم الروبوت' شخصية واحدة تكتشف خراب العالم

  • الكون الفسيح لم تعد تعرف فيه أرض ولا سماء، فقد طمست معالم الزمان والمكان، وانغمر الجميع في رحلات عبر الملايين من السنوات الضوئية، حيث طافت المركبات المأهولة وغير المأهولة عبر المجرات والتحمت ببعضها، ثمّ غادرت في مهمات استكشافية جديدة، تلك هي الأجواء التي طالما انطوت على عنصري المغامرة والاستكشاف في أفلام الخيال العلمي التي كان موضوعها اكتشاف المجرات والسباحة بين الكواكب، وهو ما ينسحب أيضا على فيلم “عالم الروبوت” للمخرج نايل روي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/06/20، العدد: 10312، ص(16)]

بطل واحد يصارع المجهول

في فيلم “عالم الروبوت” للمخرج نايل روي (إنتاج 2016) لا يوجد تأطير للمكان، وما على المشاهد سوى ترقب ما ستؤول إليه المغامرة، على اعتبار أن مفاجآت الرحلات إلى المجهول الكوني في مثل هذه النوعية من أفلام الخيال العلمي لا ينقصها عنصر الصراع وظهور الأعداء، وهو ما يعالجه هذا الفيلم بطريقة مغايرة بالكثير من عناصر الاختلاف.

وعلى فرض أن أحد الطيارين يغوص في الكون الفسيح، حيث تأتيه الأوامر، عليك أن تتمالك نفسك وتشحذ مهاراتك وأنت تغوص في قرارة المجهول، أن تعيد اكتشاف الوجود الأرضي، وأن تبحث عن أسباب ما حل بالأرض، وأين سكانها، وماذا عن الحياة فيها، وحيث أن ما جرى ويجري على سطح الكوكب مجهول تماما من قبل أولئك المغامرين في أعماق المجرة، ولهذا يرسلون طيارا في مهمة لاستجلاء حقيقة الأمر هناك، ذلك ما تجري وقائعه منذ المشاهد الأولى من الفيلم.

يبدأ الطيار (الممثل إيان روي) رحلته وهو يجوس في أرض قفراء خالية، ويدعم الرغبة في الاكتشاف أسلوب مونتاجي مميز وحركة كاميرا متواصلة، وهو يتنقل ما بين مرتفعات وتلال وبحيرات، فيما اتصاله بالمركبة لا يوفر له شيئا سوى الإعلان أن ما عنده من مؤونة تكفيه لبضعة أيام، ولكن ماذا بعدها؟

يبنى الفيلم برمته على الشخصية الواحدة، وكل ما عدا ذلك من اتصالات يأتي عن طريق الصوت الجانبي، وهو تحدّ أساسي ومهم في هذا الفيلم لجهة المعالجة الفيلمية، إذ أن مغامرة كهذه ستقود كما هو معتاد إلى غزارة في الحوار و”الديالوغ” الداخلي، تصل إلى درجة الملل من كثرة الثرثرة التي تضعف الصورة، أو إلى رتابة في الأفعال وضعف في التصعيد الدرامي.

ومع ذلك، لا يتأثر الفيلم في بنائه بهذه التقنية، فالحوارات لا تكاد تذكر وهي لا تتعدّى الاتصالات بالمركبة الأصلية، والأحداث سرعان ما تتصاعد مع اكتشاف الطيار أن هذه الأرض القفراء الممتدة قد تمت السيطرة عليها من قبل كائنات روبوتية مدججة بالسلاح ومبرمجة لأداء مهام محددة.

تصعيدا للدراما تقع مواجهة مباشرة بين الطيار وبين الروبوتات المسلحة، مشاهد لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، إذ بدت وسائل الطيار ساذجة في المواجهة، هم يطلقون عليه الرصاص وهو يرميهم بالحجارة حتى ينجو من رمي الرصاص المتواصل باتجاهه، لكن ذلك كله سيثبت له أن هنالك قوة ما تسيطر على الأرض وتبرمج كل هذه الكائنات الروبوتية وتوجهها.

ولعل الاكتشاف الأهم الذي يشكل العنصر الرئيسي في السرد الفيلمي، هو زوال الحياة البشرية عن سطح الأرض بوقوع حرب نووية طاحنة أجهزت على كل شيء، فما هي إلاّ الحرب العالمية الثالثة، ذلك ما سيكتشفه الطيار بعد أن يغوص في أحد الأقبية ليجد بقايا الصحف التي تعلن عن نذر الحرب.

والملفت للنظر في الفيلم تلك الآلة المستخدمة للعرض السينمائي، والتي تقدم صور أشخاص مجتمعين في حفل عائلي يتبادلون الأحاديث والضحكات، وفجأة تقع الضربة النووية لينقطع الفيلم وتبقى بكرة الشريط تدور في الفراغ.

تلك هي الحصيلة التي لا تحتاج إلى الكثير من الشرح والتفصيل والتي توصل إليها الطيار في شأن ما أصاب الأرض، وذلك ما سيقوده إلى البحث عن ناجين، لكنه لن يجد إلاّ هياكل بشرية مازالت ترتدي ثيابها بعدما قتلتها الضربة النووية.

هذه البنية السردية هي التي جعلت الشخصية الرئيسية والوحيدة تقدم لنا وجهة النظر الواحدة في معالجة جريئة وملفتة للنظر، وحتى وهو يكتشف وجود حيوان روبوتي يصحبه في المكان المقفر، فإن وجهة النظر لن تتعدّى الشعور بالتيه، وأن الأرض الممتدة تضيق به مع نفاد الطعام الذي معه، مع أننا سنتساءل عن مدى نجاعة الاحتياطات التي اتخذها الطيار قبل رحلته تلك، وهل بإمكانها أن تحول دون إصابته بالإشعاعات المتبقية، وهو ما تم تجاهله، كما أن هناك إغفالا متعمدا لشخصية الطيار ذاته والبيئة المحيطة به وعائلته وغير ذلك من التفاصيل الصغيرة.

بالرغم من محدودية الأحداث، فقد لجأ المخرج إلى حل إخراجي ومونتاجي زجّ من خلاله بعناصر جديدة في اكتشاف المكان، حيث تم توظيف عناصر مكانية طبيعية وجعل الشخصية وهي في حالة تقزم كامل، مع شعور بالعزلة عن كل شيء، وقد عمق ذلك استخدام متقن لعناصر الصورة والغرافيك والمونتاج، إلى جانب الكادرات المهتزة والزوايا المتنوعة، فضلا عن استخدام مميز لعنصر الصوت والمؤثرات الصوتية خاصة. وكل ذلك سدّ فراغات مهمة في البناء الفيلمي قد غطت على الشخصية الواحدة، ولم تبق أي فرصة للشعور بالملل من رتابة الأحداث.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر