الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

البوليساريو بعد عبدالعزيز… الخيارات الأسوأ

الميولات نحو التطرف بدأت في الانتشار وسط جبهة البوليساريو، بالنظر إلى غياب الأفق السياسي وفشل قيادة الجبهة في تقديم عرض سياسي مقبول للصحراويين الذين ينتظرون الحل من دون فائدة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/06/20، العدد: 10312، ص(8)]

تمر جبهة البوليساريو، التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب منذ النصف الأول من السبعينات القرن الماضي، بأصعب مرحلة في تاريخها. فرحيل زعيمها محمد عبدالعزيز، الذي كان الرجل الوحيد الذي يمسك بكل شيء ويستطيع أن يتخذ القرار الأخير، ترك فـراغا كبيرا من الصعـب تعويضه؛ ومهما كان الشخص الذي سيحل محله، أكان إبراهيم غالي أم امحمد حداد أم غيرهما، فإنه سيفتقد الكاريزما الضرورية التي ارتبطت بالزعيم الأول، ولن يكون سوى “البديل” الذي سيحتل مكان “الأصل”، خصوصا أن الأمر يتعلق بحركة مسلحة حملت شعارات “ثورية”، ومن طبيعة مثل هذه الحركات أن الرمز فيها يمثل ثقلا أكبر من الدور.

رحيل محمد عبدالعزيز جاء في ظرفية مميزة بالنسبة إلى الجبهة وللنزاع الصحراوي. فطيلة أزيد من أربعين سنة عاشت الجبهة تحولات جوهرية، إذ انتقلت من فكرة الصراع المسلح، بعد قرار وقف إطلاق النار عام 1991 من منظمة الأمم المتحـدة، إلـى الصـراع السيـاسـي مـع المغــرب لكن هـذا الصـراع وضـع الجبهـة علـى المحك أمـام الصحراويين الـذين يعيشـون أوضاعا صعبة في المخيمـات، يعتبرونهـا انتقـالية كما يـروج الخطـاب الـرسمـي للجبهـة، وكانوا يتوقعون من الانتقال من الكفاح المسلح إلى الكفاح السياسي أن ينعكـس حـلا واقعيـا على الأرض، لكـن ذلك لم يحصل، والنتيجة أن القناعة بفشـل الجبهة في الخيارين العسكري والسياسي تزداد انتشارا، خصوصا في أوسـاط الجـيل الجديـد الـذي لم يعـش بداية الصراع وولد وسط مناخ من الدعايات الكلامية والوعود.

وتقول تقارير صادرة عن جهات عارفة بالوضع داخل الجبهة، خاصة في أسبانيا، إن رحيـل محمـد عبـدالعزيز من شأنه أن يمنح فرصا أكبـر للتيـارات الـراديكالية داخـل التنظيم، وهـي تيـارات ترى نفسها أقرب إلى الجماعات الإرهابية المسلحة في المنطقـة، لأن غياب عبدالعـزيز أدى إلـى افتقـاد الجبهة لعنصر توازن كان يتحكم في تدبير التوجهات المتناقضة داخلها. وفي الوقت الذي يسجل فيه تنظيم الدولة الإسلامية في العـراق والشـام حضورا ملحـوظا في المنطقة، وبشكل خاص في ليبيا وإقليم الساحل، فإن احتمال التقارب بين الجبهة وهذا التنظيم يصبح مطروحا بجدية.

التقارب بين الجبهة وبين الجماعات المسلحة ليس جديدا، والفرق بين ما قبل وما بعد وفاة عبـدالعزيز أن هـذا الأخير كـان ينظر إلى الأمر على أنه تقارب مصلحي وتكتيكي، بحيث كانت الجبهة تراوح ما بين التقارب والتباعد بحسب ميـزان القوى في المنطقـة من أجل الضغط على طاولة الحوار ودفع منظمة الأمم المتحدة إلى الإسراع في فرض حلول ترضيها، تحت طائلة الخطر الإرهابي.

لكن التهديد الجديد أن هذا التقارب قد يتحول إلى خيار استراتيجي بيد الجبهة، بحيث يصبح التماهي بينها وبين هذه الجماعات الوسيلة الأنجع لفرض الأمر الواقع على المنتظم الدولي.

تعود بداية العلاقة بين جبهة البوليساريو وتنظيم القاعدة إلى عام 2003، عندما اعتقلت السلطات الموريتانية عضوا بارزا في الجبهـة هـو بـابا ولـد محمد باخيلي وبعض مساعـديه المنـاصرين للجبهة، بسبب التورط في سرقة متفجرات من مقر الشركة الموريتانية للصناعات المعدنية، ثبت أن الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة تستخدمها في صناعة قنابل قابلة للتفجير عـن بعد. وبالـرغم مـن أن التحقيقـات لم تظهر ما إذا كانت تلك المتفجرات موجهة إلى جبهة البوليساريو نفسها أم إلى تلك الجماعات، فإن تلك العملية قد طرحت شكوكا حول النوايا الحقيقية للجبهة.

لكن العملية الإرهابية التي استهدفت ثكنة عسكرية موريتانية في يونيو 2005، ونفذها تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال بقيادة مختار بن المختار مخلفة 15 شخصا، عززت من تلك الشكوك بشكل أكبر. فقد تبيّن أن هناك أشخاصا من جبهة البوليساريو شاركوا في العملية، وتم التأكد من استخدام شاحنات عسكرية تابعة للجبهة فيها.

العملية الثالثة، التي لم تترك شكوكا حول تورط الجبهة في عمليات منسوبة إلى الجماعات المسلحة، هي التي حصلت في نوفمبر 2009، حينما تم اختطاف ثلاثة مواطنين أسبان يعملون في منظمة للإغاثة جنوب غرب موريتانيا. تبنّت جماعة القاعدة في المغرب الإسلامي العملية في بيان لها، في شريط مصور بثته قناة الجزيرة القطرية، وفتح تحقيق في القضية قاد إلى اتهام شخص يدعى عمر ولد سيدي محمد ولد حاما، واسمه الحركي عمر الصحراوي، وفي شهر فبراير 2010 تم اعتقال هذا الأخير في الحدود مع مالي، وتبين، خلال محاكمته في نواكشوط في الشهر التالي، أنه عضو بارز في جبهة البوليساريو.

في ضوء هذه المعطيات يظهر أن جبهة البوليساريو راكمت طيلة السنوات الماضية خبرة في التعامل مع الجماعات المسلحة، تم خلالها نسج علاقات ما بين أفراد هذه الأخيرة وعناصر مؤثرة داخل الجبهة، الأمر الذي يعني أن ورقة التهديدات الإرهابية تظل مطروحة على طاولة الجبهة ويمكن اللجوء إليها في أي وقت.

وقد سبق للمبعوث الأممي الخاص بنزاع الصحراء، الأميركي كريستوفر روس، أن أعلن في العام 2015 أن الميولات نحو التطرف بدأت في الانتشار وسط جبهة البوليساريو، بالنظر إلى غياب الأفق السياسي وفشل قيادة الجبهة في تقديم عرض سياسي مقبول للصحراويين الذين ينتظرون الحل من دون فائدة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر