الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

مشاهد من التنطع الديني والعلماني في مصر

التنطع الديني في بعض وجوهه يشبه تنطعا يدعي العلمانية، حيث يجاهر صاحبه بالسخرية من الدين والعبادات. كلاهما لا يطمئن بالإيمان أو العلمانية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/06/21، العدد: 10313، ص(9)]

أن تكون مؤمنا حقا فلن تعدم طريقا إلى الله، سيطمئن قلبك بالإيمان، ولن تحتاج إلى “موظف” في هيئة دينية، أو “مذيع” في فضائية لرجل أعمال، يمتهن شيئا يسميه دعوة المسلمين إلى الإسلام، لكي يعقّد لك ما سهله الله، ويجهد نفسه وتنتفخ عروق رقبته وهو يتجاوز النص الواضح إلى متون تفاسير تنتمي إلى عصورها، وهوامش على المتون، وشروح للهوامش، وتعقيبات على الشروح، فتغرق في التفاصيل، وربما تدركك رحمة الله، فتهتدي بيسر إلى الحق في آية بينة كأنك تقرأها للمرة الأولى، وهذا ما تخشاه جيوش “الدعاة” إذ توحي كثرتهم، وغزارة فتاواهم وتناقضها، بأن الإسلام دين شديد التعقيد، بعد نجاحهم في إلهاء عموم المسلمين عن الأصل وشغلهم بفروع الفروع.

فلا نعدم كل يوم متنطعين يمدون أيديهم في غبار البداوة، لاغتراف فتاوى كانت تجيب عن أسئلة تخص أزمنة سابقة، ولعلها تأثرت بظرف تاريخي واجه فيه المسلمون عدوانا، وكان يخشى على وحدة الصف من الغرباء وخصوصا غير المسلمين، وهو احتراز يمكن فهمه، وتمارسه البعض من “الدول” حاليا حين تمنع بناتها أن يتزوجن من غير مواطنيها. وبدلا من فهم الفتوى في سياقها، يتم الاستناد إليها، ولو في أمر غيبي لا يعني أحدا، ولكنه “شُغْل” لموظفي “التديّن”، مثل حكم الترحم على الميت غير المسلم، ولو بكلمتيْ “ربنا يرحمه”، وقد أثير عند موت نيلسون مانديلا في نهاية 2013، فرفع أحدهم لافتة للإمام النووي “الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع”. وتحمس آخر، يقال له عبدالرحمن البراك، فأصدر بيانا قال فيه إن “المترحم على الكافر إن كان يعتقد أنه على دين صحيح فقد وقع في ناقض من نواقض الإسلام، فإن عُرِّف وأصر كان مرتدا، وإن كان لا يعتقد صحة دين هذا النصراني فترحمه عليه جهل وضلال، وقد ارتكب محرما في دين الإسلام بإجماع العلماء”. ولم يكتف سليمان الماجد ببيان فقال في برنامج بفضائية روتانا إن الأعمال الإيجابية “لن تنفعه يوم الدين.. لا يجوز الدعاء له، هذا قطعي ومعلوم من الدين بالضرورة”، وكأن الترحم على مانديلا بكلمتين سيهدم ركنا من العقيدة، ولكنهم “يقسمون رحمة ربك”، ولم يتذكر أحدهم آية “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة”، لينهي هذا اللغط، ويقطع الطريق على فتنة التمييز.

فتح باب التنطع بالتمييز الديني بين المواطنين يفضي إلى جرائم، وقتل نفس حرم الله قتلها، وهدم بيوت للعبادة. رفض عامل شاب لا يجيد القراءة أن يتناول طعام مسيحي “اضطر” لعمل الطلاء لبيته. قال إن طعام الكفار حرام على المسلمين. وأسأله “حتى المسيحي؟”، فيرد “حتى النصراني”، هكذا قال إمام الجام. وحين أذكّره بآية “وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم”، يؤخذ فلا تسعفه المفاجأة بالآية القرآنية على التفكير، ويقول “وأنا مالي وما للقرآن!”، وتمتد مساحة التمييز والنقاء الديني فيصبح منع مسيحيين من أداء شعائرهم نوعا من “الجهاد”. ففي شهر الرحمة لم تتورع الجحافل بالقرب من مدينة الإسكندرية قبل بضعة أيام عن مهاجمة مبنى يصلي فيه مسيحيون، ورشقهم بالحجارة، فأصابوا البعض منهم، على خلفية هتاف غير القادرين على “الجهاد” بالحجارة “إسلامية إسلامية.. مش عايزين كنيسة”، في عدوى تشمل البلاد من أسوان إلى المنيا وصولا إلى الإسكندرية. ثم وجهت الشرطة اتهاما إلى الضحايا بممارسة شعائر دينية في أماكن غير مرخصة، كأنهم لا يرون شوارع في عموم مصر، والبعض من المدن الأوروبية، تغلق حين يشغلها مصلون لا تتسع لهم المساجد في صلاة الجمعة، من دون أن يتهمهم أحد بالصلاة خارج المساجد المرخصة، بل إن حكومات غربية “كافرة” تيسر ممارسة الشعائر، وتقيم موائد للإفطار في رمضان، وتستضيف الملايين من المسلمين، ضحايا الدكتاتورية في العالم الإسلامي، ولا يجرؤ “الدعاة” الذين “يستكثرون رحمة ربك” على تذكير حكوماتهم بالرحمة والعدل، وإنفاق جزء من زكاة الركاز على ضحايا مسلمين، وهم مساكين وأبناء سبيل، تغلق “ديار الإسلام” في وجوههم، فيلتمسون الرحمة لدى غير المسلمين.

ويمتد التنطع الرسمي إلى دار الإفتاء المصرية التي استبقت شهر رمضان بفتوى متممة لشهر شعبان (5 يونيو 2016)، نشرتها صفحتها الرسمية، تقول إن المجاهرة بالفطر في رمضان “لا تدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نـوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلا عن أنها خروج على الـذوق العـام في بـلاد المسلمـين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته”. فيمتد عدوان الشرطة إلى بريء سلم الناس من لسانه ويده، يقتحمون عليه المطعم، ويضربونه جهادا في سبيل الله.

فات دار الإفتاء ودار الشرطة أن الملايين من المسلمين يصح صيامهم خارج “ديار الإسلام”، ولا يؤذيهم وجود مفطرين، وأن عصا المفتي والشرطة حجة على الدين، وتنطع يدل على ضعف إيمان المسلم، فكيف يسيل لعابه لطعام يتناوله غيره؟ ولا أقل من أن يغض عنه بصره. في مجتمع عادل، علماني بالطبع، سيعي “المؤمن” لا “المتدين” أن الصيام اختبار لقوة الإرادة، وصدق العزيمة على مقاومة إغراء النهم إلى الطعام. ذلك شره لا يعانيه إلا المسلم المقيم في العالم الإسلامي، ولا يأبه له هذا المسلم نفسه لو قادته مصادفة أن يشهد رمضان خارج جغرافيا العالم الإسلامي، هناك سيجد تطبيقا إنسانيا عقلانيا للحديث النبوي “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، وفي مقدمة ذلك من يتناول طعاما أو شرابا في نهار رمضان، ومن تتخفف في ملبسها، دون أن تخشى من يجمل صوته بالنهي عن “التبرج”، ولعن “المائلات المميلات”.

لم تفكر دار الإفتاء في نصوص دينية تذكّر بها من يأخذون الأبرياء بالشبهات، فيقضون في السجن بضع سنين، من دون تهمة توجه إليهـم، رغـم اعتقالهم فترات طوالا بالمخالفة للدستـور الإنساني والعلماني والإسلامي. لم يجتهد رجل دين ويتطوع بفتوى في حكم صيام المعتقل، أليست له رخصة المسافر إلى أن ينتهي سفره بإدانة عادلة، أو تحريره من عبودية لا يجرؤ رجل دين على إدانتها، واستنكارها ولو بلسانه؟ وإذا كان الفقر لونا من الكفر أو بابا إليه، فإن الظلم باب أكثر اتساعا. التنطع الديني في بعض وجوهه يشبه تنطعا يدّعي العلمانية، حيث يجاهر صاحبه بالسخرية من الدين والعبادات. كلاهما لا يطمئن بالإيمان أو العلمانية، فيمارس عدوانا واستعلاء لا يتفقان مع روح الدين وجوهر العلمانية.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر