الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاستثمار السيء لمعركة داعش في العراق

القوى الطائفية الفاسدة استثمرت عنوان داعش ضد كل من يقف رافضا الوضع السيء الذي تردت فيه البلاد، سواء في المواقف السياسية العملية أو حتى في وسائل الإعلام.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/06/21، العدد: 10313، ص(9)]

لم تتمكن ظروف المعركة ضد داعش في العراق من لملمة شتات الأحزاب الطائفية، الشيعية والسنية، لكي يكون هذا الاحتلال فرصة للوحدة والانتقال إلى مرحلة التخلي عن المنافع والمكاسب الذاتية لصالح أبناء الشعب العراقي، والذي حصل مخالف للمنطق؛ إن احتلال داعش لثلث أرض العراق فجّر الخلافات العميقة بين الأحزاب الشيعية، ونقلها من الغرف المغلقة إلى الإعلام، وتمّ وضع الجمهور المقموع الفقير أداة للاستقطاب المذهبي والمصلحي ووسيلة لمضاعفة الحرب المستعرة ضد الطائفة العربية السنية لسحقها وإذلال أهلها وتغييب رجالها، في أسوأ حالات الثأر التي لم تحصل حتى عند قبائل جنوب أفريقيا أواخر القرن الماضي، فحين طرد الاستعمار البريطاني العنصري قبائل الزولو من أرضها ثم عادت بعد التحرير على يد المحرر نيلسون مانديلا وتحولت إلى حزب الحرية، استطاع هذا القائد الفريد إزالة عناصر الصراع الدموي والسياسي بينها وبين حزبه المؤتمر في انتخابات عام 1994، أما في العراق فيتم انتقاء عناصر الكراهية والثأر لتتحوّل إلى أداة لقمع الآخرين.

وما تشهده الفلوجة مثال صارخ على تلك الانتهاكات، روى لي صديق عاد أخيرا من العراق حادثة تشكل مثالا على إهانة أهل الفلوجة الخارجين من بطش داعش، ينقل هذه الحادثة بقوله “أصبح معروفا أن قوات الميليشيات المسلحة تقوم بعزل النساء والأطفال عن الرجال الخارجين من الفلوجة، طلب أحد أفراد الميليشيات من صاحب سيارة جديدة أن يبيعه تلك السيارة مقابل مبلغ رمزي لا يساوي ثمن إطاراتها، وإن لم يوافق فسيحرقها أمامه حالها حال السيارات المحروقة، وما كان من الرجل إلا الموافقة والرضوخ لطلب تحويلها باسمه في بغداد إن عاد سالما”.

بعد احتلال داعش تم تجميد الخلافات الشكلية بين سنة الحكومة والأحزاب الشيعية ليتفجر الصراع بين الأحزاب الشيعية نفسها حول السلطة بشكل تسقيطي تمثل في محاولات مقتدى الصدر اللعب بالجمهور في مسرحية “الإصلاح” التي رفع شعاراتها حيدر العبادي لكنه لم يتمكن من تحقيقها لأن مراكز القوى من حوله ترفض بقوة التخلي عن امتيازاتها في الوزارات.

كان العبادي قد أعلن عن إصلاحات مختلفة، ردا على الاحتجاجات الشعبية في أغسطس 2015، ولكن الوحيد الذي تم تنفيذه في الواقع هو القرار الذي أصدره في 16 أغسطس بإلغاء أربع وزارات، ودمج ثماني وزارات أخرى لتصير أربعا. ولم يقدم العبادي، طلبا إلى البرلمان وفق ذلك مما أثار حفيظة الأحزاب واعتبرت قراره غير دستوري. اعتقد العبادي أن دعوته إلى تشكيل حكومة تكنوقراط يمكن أن تكسبه مكانة سياسية عند الجمهور، لكن الصدر تمكن من تحويل اللعبة لصالحه وكسب في حملته التصعيدية الإعلامية الشارع المنتفض منذ عام 2011 ضد الفساد والمفسدين، فقاد الصدر وخطف التظاهرات العفوية المدنية وسط قلق الأحزاب الكبيرة (الدعوة والحكيم) مما قد ساعده على بسط سيادته العليا عليها، كما أن الفصائل التي تمتلك ميليشياتها الخاصة عانت من حالة اضطراب واضحة في تلك اللحظات الحرجة، فمنظمة بدر وفصائل متنافسة أخرى، أصدرت بيانا حذرت فيه ممّا اعتبرته محاولة التيار الصدري فرض إرادته على الحكومة، خصوصا بعد التحركات العفوية لجمهور المنتفضين بدخولهم المنطقة الخضراء الحصينة والتي هي دائرة الأميركان الأمنية في العراق.

كان متوقعا من الصدر أن يدير شوط المعركة السياسية حتى استلام السلطة وإعلان قيام حكومة وطنية مؤقتة انتقالية وتجميد البرلمان وتخليص البلاد من محاصصة الأحزاب الطائفية، وكان يمكن أن يصبح بطلا وطنيا منقذا للعراق لكنه تراجع في لحظات الحسم المنتظرة، بعد أن تمكن من استثمار حالة الإحباط الشعبي العام من الحكومة والأحزاب ومن دنس المفسدين الذين شكلوا إمبراطورية دمرت العراق، وهي الوجه الآخر لداعش الإرهابي، بل إن القوى الطائفية الفاسدة استثمرت عنوان داعش ضد كل من يقف رافضا الوضع السيء الذي تردت فيه البلاد، سواء في المواقف السياسية العملية أو حتى في وسائل الإعلام.

هناك تسريبات كثيرة حول الجهات الإقليمية والدولية التي ضغطت على الصدر ومنعته من مواصلة حملته الثورية هذه، فالأميركان حريصون على بقاء العبادي حتى نهاية ولاية باراك أوباما، ولا يريدون الدخول في معمعة الملف السياسي المرتبك، الذين كانوا هم من صنعه ولديهم الرغبة على بقاء العراق في الفوضى والصراع الطائفي. والإيرانيون قلقون من أن يتحول الوضع العراقي إلى المجهول رغم قدراتهم المعروفة في التأثير على الصدر. ورغم هذا التراجع الصدري فإن الصراعات لم تتوقف، فالعبادي يخشى على موقعه الوظيفي في رئاسة الحكومة، وبعد فشله في ما سماه بمشروع “الإصلاح” الترقيعي، وعدم قدرته على تحقيق نصاب قانوني لحكومته المشلولة، لم يكن أمامه سوى استثمار معركة داعش بالفلوجة ليرتدي البدلة السوداء ويدير المعركة على أطرافها، في حين يشتغل وزير دفاعه خالد العبيدي ويستحضر لمعركة الموصل المقبلة لكي تكون نظيفة من وجود الميليشيات المسلحة، وسط أخبار تقول إنها لن تبدأ فعليا قبل نهاية هذا العام ولا يعرف متى تنتهي، وهناك مشكلات كثيرة تعكس التنافس بين قيادات الميليشيات المسلحة وبين القوات الأمنية التي يقودها العبادي، ويُحجب تسميتها بالجيش العراقي في وسائل الإعلام العراقية، كما أن هناك تعقيدات لوجيستية حول القوى المحلية والإقليمية المشاركة في تحرير تلك المدينة الكبيرة التي تعتبر الحصن الأخير لداعش في العراق.

العبادي في وضع صعب للغاية رغم شعوره بأنه سيكسب الوجاهة السياسية وليست المعركة السياسية تجاه بقية الأحزاب الحاكمة، فأيّ استمالة منه نحو الأميركان تقابل بغضب إيراني معبر عنه عن طريق الميليشيات. العبادي يعرف قدرات قواته المسلحة وما يمكن أن يصنعه الأميركان له، هو يعرف، إن كان لديه طموح سياسي مشروع، معنى الانتصار على داعش من دون الإيرانيين على مستوى الإقليم والعالم، لأن مواقف أوباما المتخاذلة تجاه طهران مؤقتة بعمره القصير في الحكم، وقد تتغير في الإدارة الأميركية المقبلة لصالح الدعوات المحلية العراقية والعربية بإبعاد النفوذ الإيراني المتعاظم على الوضع العراقي.

الأحزاب الحاكمة في حالة صمت وهي تشعر بأنها أبعدت خطر الصدر عن زحزحة مواقعها، ولا تخاف تلك الأحزاب من العبادي، هو لا يخيفها، كان بإمكانه ذلك لو تمكن من استثمار ذلك الإجماع الكبير من المرجعية والحراك الشعبي والمنطقة والعالم، لقد فقده اليوم، ويحاول استعادة مكانته بواسطة معركة داعش، على شاكلة جميع القوى السياسية التي تحاول استثمار هذه المعركة الفاصلة لما بعد داعش وللجولة السياسية المقبلة في انتخابات 2017 و2018. الميليشيات تعمل على المسك بزمام المبادرة السياسية أمام الأحزاب التقليدية الطائفية التي تخشى ضياع مواقعها المستقبلية، ولهذا يحاول بعضها استمالة البعض من قيادات الميليشيات، وممـا يزيد مشهد الخلافات تعقيدا الهجمات الواسعة من قبل جماعة الصدر ضد مقرات تلك الأحزاب الحاكمة في محافظـات الوسط والجنـوب، مما أثـار استياء تلك الأحزاب ضد الصدر وخصوصا نوري المالكي الذي يعتبر نفسه المنظر والمحرك لقوات الحشد الشعبي ويجد فيه مجاله الحيوي في معركته الراهنة والمستقبلية ضد مقتدى الصدر وغيره. كل الوقائع والأحداث في العراق تشير إلى انحداره نحو الأسوأ.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر